المولد فما بعد

مولد النبي صلى الله عليه وسلم

الفترة الرئيسية: المولد فما بعد الفترة الفرعية: الولادة والرضاعة الهجري: 12 ربيع الأول 53 ق.هـ الميلادي: 4 مايو 571 م
مولد النبي صلى الله عليه وسلم

مختصر الحدث

وُلد النبي محمد ﷺ يتيم الأب في مكة فجر الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول عام الفيل، فكان مولده بداية فجرٍ جديد أخرج الله به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان.

تفاصيل الحدث

## وُلد الهدى ﷺ

كان الليل قد أرخى سدوله على مكة، وسكنت الأصوات شيئًا فشيئًا في شعابها، وأخذت بيوتها المتناثرة بين الجبال تستسلم لهدوء السَّحَر.

هناك، في الوادي الذي رفع فيه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعد البيت، كانت الكعبة قائمة في مكانها الذي اختاره الله لها، غير أن القرون قد مرّت، وتبدلت أحوال الناس، ودخلت الأصنام إلى جوار البيت العتيق، حتى غدت قريش تطوف بالبيت الذي بناه إبراهيم لله، وحوله ما اتخذته العرب من آلهة لا تسمع ولا تبصر.

وكانت الجزيرة من حول مكة عالمًا متفرقًا؛ قبائل تتنازع، وثارات تتوارث، وحروب قد تشب لأمر صغير ثم تمتد أعوامًا، وقوي يأكل حق ضعيف، ودماء تسيل ثم تلد دماء أخرى.

ومع ذلك لم تكن الأرض خالية من بقية خير؛ بقي في العرب صدق ووفاء ونجدة وكرم، وبقي من يتطلع إلى دين إبراهيم، وينفر من عبادة الحجر، وكأن شيئًا في أعماق الجزيرة كان ينتظر أمرًا لم يأت أوانه بعد.

وفي خارجها كانت الدنيا الكبرى مضطربة هي الأخرى؛ فارس والروم تتنازعان الملك والنفوذ، وأمم قد أثقلتها الحروب، واختلط في أديان أهل الكتاب ما اختلط.

وكانت البشرية تمضي في ليل طويل.

لكن الله كان يريد للأرض شأنًا آخر.

***

في مكة، كان بيت من بيوت بني هاشم ينتظر مولودًا.

ولم يكن أبوه ينتظر عند الباب.

فقد مات **عبد الله بن عبد المطلب** قبل أن تكتحل عيناه برؤية ابنه.

كان الطفل يتيمًا قبل أن يولد.

وحملت به أمه **آمنة بنت وهب**، وهي تحمل معه ذكرى زوج غاب ولم يعد. لم يكن في البيت أب يتهيأ لاستقبال مولوده، ولا رجل ينتظر أن يقال له: لقد جاءك ابن.

غير أن لهذا اليتيم شأنًا لم تكن مكة تعرفه بعد.

ومضت أشهر الحمل، حتى أقبل **ربيع الأول من عام الفيل**.

وكانت مكة لم تنس بعد ذلك الحدث الهائل الذي وقع قريبًا منها؛ جيش عظيم جاء يريد البيت، وفيل يُساق إلى الكعبة، ثم ينصرف الجيش مهزومًا دون أن تمتد يد بشرية إلى إنقاذ البيت.

حفظ الله بيته.

ثم شاء الله أن يولد بجواره من سيعيده إلى التوحيد.

***

ومضت ليلة الأحد إلى الاثنين.

وخفتت النجوم شيئًا فشيئًا.

وأخذ السواد الذي يكسو جبال مكة يرقُّ أمام أول خيوط الصباح.

ولما **طلع الفجر من يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول، عام الفيل**، كانت مكة على موعد مع مولود لم تعرف يومئذ مقدار ما سيصنعه الله على يديه.

ولد **محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ**.

ولد يتيمًا.

لا ملكًا في قصر، ولا ابن ملك، ولا وريث عرش.

ولد في مكة، بين جبالها، في بيت من قريش.

ولم تتوقف قوافلها.

ولم تجتمع قبائل العرب لتشهد مولده.

ولم يكن أهل فارس والروم يعلمون أن طفلًا قد ولد في ذلك الوادي البعيد، وأن اسمه سيبلغ يومًا بلادهم، وأن النداء الذي سيخرج من مكة سيعبر الصحارى والبحار والجبال.

كانت لحظة صغيرة في أعين الناس...

وكانت في قدر الله بداية زمن جديد.

وصدق أحمد شوقي حين صور ذلك الميلاد بعد قرون فقال:

**وُلِدَ الهُدى فالكائناتُ ضياءُ
وفمُ الزمانِ تبسُّمٌ وثناءُ**

لم تكن الرسالة قد نزلت بعد، ولم يقل محمد ﷺ للناس بعد: قولوا لا إله إلا الله.

كان بين الميلاد والبعثة أربعون عامًا.

لكن الذي ولد في ذلك الصباح هو الذي سيقف يومًا عند الصفا فينادي قريشًا، وهو الذي سيدخل غار حراء فينزل عليه: **﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾**، وهو الذي سيخرج من مكة مهاجرًا ثم يعود إليها فاتحًا، وهو الذي ستخرج برسالته أمة من جزيرة العرب إلى آفاق الأرض.

أما الآن...

فهو طفل بين يدي أمه.

***

كانت آمنة تنظر إلى ابنها، وقد فقد أباه قبل أن يراه.

ولكن وراء جدران ذلك البيت كان جد ينتظر الخبر.

**عبد المطلب بن هاشم**، سيد من سادات قريش، وصاحب مكانة في مكة، والرجل الذي ارتبط اسمه قبل سنوات بحفر زمزم، والذي شهد عام الفيل وما جرى فيه.

وها هو الآن يستقبل حفيدًا من ابنه عبد الله الذي فقده شابًا.

وسيحمل هذا الطفل اسمًا لم يكن من أشهر أسماء العرب:

**محمدًا.**

اسم سيصبح بعد سنوات قليلة أشهر اسم ينطق به المؤمنون في الأرض.

محمد بن عبد الله.

ذلك اليتيم الهاشمي الذي سيقول الله له بعد أربعين سنة:

**﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾.**

***

أما مكة فلم تكن تعرف شيئًا من المستقبل.

نام كثير من أهلها تلك الليلة ثم استيقظوا إلى أعمالهم.

تاجر يتهيأ لسفره.

وراع يخرج بغنمه.

وامرأة تهيئ طعام أهل بيتها.

ورجل يطوف بالكعبة.

وقافلة تدخل الوادي، وأخرى تستعد للخروج منه.

الحياة كما كانت بالأمس.

لكنها لم تكن كما كانت بالأمس.

ففي أحد بيوت مكة أصبح على الأرض **محمد ﷺ**.

***

وستتناقل كتب السيرة بعد ذلك أخبارًا عن علامات صاحبت مولده، وإرهاصات وقعت في تلك الأيام والليالي؛ منها ما قوي خبره، ومنها ما دون ذلك، ولكل واحد منها حديثه وموضعه.

لكن أعظم ما وقع لم يكن بحاجة إلى قصة تضاف إليه:

**لقد وُلد رسول الله ﷺ.**

الرجل الذي سيغير وجه الجزيرة.

وسيعيد إلى الكعبة كلمة إبراهيم.

ويكسر الأصنام التي تراكمت حولها.

ويجمع الأوس والخزرج بعد دماء طويلة.

ويجعل من بلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي وإخوانهم أمة واحدة.

ويحمل إلى العالم كلمة:

**﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.**

***

ولد ﷺ والعرب قبائل شتى، ثم تركهم أمة.

ولد ﷺ والبيت تحيط به الأصنام، ثم مات وليس في البيت صنم يعبد.

ولد ﷺ والمرأة تورث ولا ترث في أحوال من الجاهلية، والضعيف قد لا يجد من يحمي حقه، ثم جاء بدين جعل للدم والمال والعرض حرمة.

ولد ﷺ ولم يكن له أب يحمله بين يديه، ثم صار أبًا في الرحمة لأمة تعلمت منه كيف ترحم الصغير، وتحفظ اليتيم، وتصل الرحم، وتكرم الجار.

وكأن يتمه الأول كان افتتاحًا لقصة عجيبة:

يفقد الأب...

ثم يفقد الأم...

ثم الجد...

ثم يخرج من مكة...

ثم يعود إليها سيدًا مطاعًا، لا يطلب ملكها لنفسه، وإنما يقف عند بيت الله يعيد إليه التوحيد الذي بني من أجله.

***

وفي ذلك الصباح المكي لم يكن أحد يرى هذه الصفحات كلها.

كانت الصفحة الأولى فقط قد فتحت.

**مولود اسمه محمد.**

طفل هاشمي يتيم الأب.

أمه آمنة.

وجده عبد المطلب.

وموطنه مكة.

لكن الله كان يعلم ما لا يعلمه الناس.

كان يعلم أن هذا الطفل سيأتي عليه يوم يقف وحده أمام قومه، ثم تتبعه قلة، ثم يشتد عليهم البلاء، ثم يهاجر، ثم تقوم حوله أمة، ثم يسمع الناس في حياته نداء الإسلام من أطراف الجزيرة.

ويعلم سبحانه أن ملايين البشر بعد ذلك بقرون طويلة، في مشارق الأرض ومغاربها، إذا ذُكر أمامهم اسم ذلك المولود قالوا:

**صلى الله عليه وسلم.**

ولهذا كان ذلك الفجر فجرًا عاديًا في حساب أيام مكة...

لكنه في قصة الإنسانية كان **فجرًا لبداية أعظم سيرة عرفتها الدنيا**.
تفاعل مع الحدث

هل استوعبت هذا الحدث؟