انتظمت صفوف المصلين في وداع النبي ﷺ وفق تراتبية دقيقة بدأت بآل بيته من بني هاشم، تلاهم المهاجرون ثم الأنصار، ليعقبهم عموم الناس؛ ثم خُصصت المراحل الختامية للنساء فالصبيان، في مشهد جسّد أسمى مراتب الانضباط والتقدير لمكانته ﷺ ولتراتبية الفضل في الأمة (54
التحقيق الزمني (استناداً إلى الحسابات والقرائن):
تُعد هذه "التراتبية" المفتاح الأساسي لفهم استغراق مراسم الجنازة يوماً بليلته:
1. التوقيت التسلسلي (من ظهيرة الثلاثاء إلى ليلة الأربعاء):
o بدأت صلاة بني هاشم حسابياً بعد الزوال مباشرة (يوم الثلاثاء)، واستغرقت صلاة الرجال (مهاجرين وأنصار) بقية النهار حتى مغرب الثلاثاء.
o القرينة: تأخير صلاة النساء والصبيان إلى المرحلة الأخيرة يعني أنها استمرت طوال ليلة الأربعاء، مما يفسر سبب الدفن في "سحر" تلك الليلة.
2. الحساب الزمني للأفواج (حجر استناد إجرائي):
o إذا قُدّر الفوج الواحد بـ 10 أشخاص، واستغرق دخولهم وصلاتهم 5 دقائق، فإن صلاة 10 آلاف رجل وحدهم تتطلب 83 ساعة نظرياً؛ لكن "التداخل السريع" وقصر الصلاة (دعاء فقط بلا ركوع وسجود) قلص المدة إلى حوالي 24-30 ساعة متواصلة.
3. قرينة "ثم النساء ثم الصبيان" (الزمن التقديري):
o تخصيص النساء والصبيان بالخاتمة يشير إلى أنهم صلوا في ساعات الليل المتأخرة (ليلة الأربعاء)، وهذا يربط زمنياً بين انتهاء آخر مصلٍ وبين لحظة البدء بمراسيم الدفن الفعلية.
4. الارتباط بالاستقرار السياسي:
o هذا النظام الهادئ والمتسلسل يثبت أن "الدولة" كانت تحت سيطرة أمنية وتنظيمية كاملة بقيادة أبي بكر، حيث لم يحدث تدافع أو فوضى رغم هول المصيبة، مما سمح للزمن أن يسير وفق هذا الترتيب "الأرستقراطي" الإيماني.
(54) ابن سعد (291/2) من رواية الواقدي.