في غار حراء فاجأ جبريلُ النبيَّ ﷺ، فضمه ثلاث مرات وأمره بالقراءة، ثم تلا عليه الآيات الخمس الأولى من سورة العلق.
وفي تلك اللحظة سمع النبي ﷺ أول القرآن، وانتهت مرحلة الإرهاصات وبدأت النبوة.
عاد محمد ﷺ إلى حراء وحده، بعد أن مضت إرهاصات طويلة أعدَّته لهذه اللحظة: رؤيا صادقة، وخلوة أحبها، وأصوات سمعها، ونداء أقلقه، وحجر سلَّم عليه، وخديجة في كل مرة تهدئ قلبه وتقول له: **«أبشر، فإن السلام خير»**. ثم عاد إلى الجبل، ولم يكن يعلم أن هذه الخلوة لن تكون كسابقاتها.
وفي ليلة من ليالي رمضان، سكنت مكة تحت حراء، وغاب أهلها في ليلهم، بينما كان محمد ﷺ في ذلك الغار الحجري الضيق، بعيدًا عن الناس، يتعبد لربه.
وهناك... **انتهى الانتظار**.
فجأة جاءه الملك.
لا موعد سبق، ولا تجربة تشبه ما حدث، ولا بشر إلى جواره. وفي قلب ذلك السكون جاءه الأمر لأول مرة:
**«اقرأ»**.
فأجابه ﷺ بما يعرف من نفسه:
**«ما أنا بقارئ»**.
فأخذه الملك **فغطَّه**؛ ضمَّه ضمة شديدة حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله.
وسكن عنه للحظة، ثم عاد الأمر:
**«اقرأ»**.
قال ﷺ:
**«ما أنا بقارئ»**.
فأخذه الثانية، **فغطَّه حتى بلغ منه الجهد**، ثم أرسله.
ثم جاءت الثالثة:
**«اقرأ»**.
وللمرة الثالثة قال ﷺ:
**«ما أنا بقارئ»**.
فأخذه فغطه الثالثة، ثم أرسله.
ثلاث مرات يواجه الإنسان الذي لم يقرأ كتابًا في حياته أمرًا واحدًا: **اقرأ**. وثلاث مرات تبلغ به شدة الموقف مبلغها. ثم، بعد الغطة الثالثة، جاءت الكلمات التي انتظرتها الأرض طويلًا:
**﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.**
خمس آيات فقط... لكنها كانت **أول القرآن نزولًا**.
والعجيب أن الرسالة التي ستغيّر عقائد الناس وعباداتهم وأخلاقهم ومجتمعاتهم لم تبدأ بأمرٍ بالحرب، ولا بالملك، ولا بالمال؛ وإنما بدأت بكلمة:
**﴿اقْرَأْ﴾.**
ثم لم تترك القراءة مطلقة، بل ربطتها من أول حرف بالسماء:
**﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾**.
ثم عرّفت الإنسان بأصله: **﴿مِنْ عَلَقٍ﴾**، ورفعت بصره إلى كرم ربه: **﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾**، ثم ذكرت الأداة التي ستُحفظ بها العلوم وتنتقل بها المعارف بين الأجيال: **﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾**، وختمت أول لقاء بين القرآن والبشر بحقيقة عظيمة:
**﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.**
وفي دقائق معدودة تغيّر كل شيء.
دخل محمد ﷺ حراء متعبدًا يخلو بربه، وستبدأ من هذه اللحظة حياة النبي المكلَّف بحمل آخر رسالات السماء. ودخل الغار ولم يكن قد سمع من القرآن حرفًا، ثم خرج وفي صدره **أول خمس آيات من كتاب سيظل يتلى إلى قيام الساعة**.
كانت مكة أسفل الجبل كما هي، بيوتها وشعابها وأهلها لم يتغير منهم شيء؛ ولم يكن أحد منهم يعلم أن فوقهم، في ذلك الشق الصغير بين صخور حراء، **بدأ أعظم تحول في تاريخ الرسالة المحمدية**.
لقد انتهت سنوات الإعداد، وانتهت الإرهاصات، وانتهى الانتظار.
**وفي تلك الليلة المباركة، سمع محمد ﷺ القرآن لأول مرة... وبدأت النبوة.**