في **23 نوفمبر 602م**، تمرّد جيش الروم على الإمبراطور موريقيوس بعد أن أمرهم بقضاء الشتاء وراء الدانوب، فاختاروا **فوقاس** قائدًا لهم، وزحفوا إلى القسطنطينية حتى أسقطوا موريقيوس وتولى فوقاس عرش الروم، ثم قُتل موريقيوس وأبناؤه بعد أيام.
من ضفاف الدانوب إلى عرش القسطنطينية
كانت الدولة الرومية في عهد الإمبراطور موريقيوس قد خرجت من حربها الطويلة مع فارس في وضع جيد نسبيًا؛ فقد أعاد موريقيوس كسرى أبرويز إلى عرش فارس سنة 591م، وأمّن بذلك الجبهة الشرقية، فتفرغ لمواجهة الآفار والسلاف في البلقان. وحقق جيشه نجاحات حتى دفع أعداءه إلى ما وراء نهر الدانوب. لكن تلك الحروب الطويلة أنهكت الخزانة والجنود، وكان موريقيوس معروفًا بالتشدد في الإنفاق، حتى أصبحت قراراته المالية مصدر تذمر داخل الجيش.
وفي خريف 602م أراد موريقيوس أن يستثمر انتصاراته، فأمر الجيش المرابط على الدانوب ألا يعود إلى الأراضي الرومية لقضاء الشتاء، بل يبقى وراء الدانوب ويواصل عملياته في أرض العدو خلال الشتاء. رأى الجنود في ذلك مشقة شديدة، وعدّوه حلقة جديدة من سياسة الإمبراطور في الاقتصاد على حسابهم. وهنا انفجر الغضب المتراكم.
رفض الجنود الأمر وتمردوا على قادتهم، ثم احتاجوا إلى رجل يجتمعون حوله، فاختاروا أحد ضباط الجيش، وهو فوقاس. ولم يكن يومها من كبار رجال الدولة ولا من الأسرة الإمبراطورية؛ بل تصفه الدراسات بأنه ضابط متوسط الرتبة.
في البداية كان الأمر عصيانًا عسكريًا على الحدود، لكنه سرعان ما أخذ منحى أخطر: تحرك الجيش المتمرد نحو القسطنطينية.
ووصل خبر الثورة إلى موريقيوس، فإذا بالأزمة لا تبقى خارج العاصمة؛ فقد كان له خصوم ومتذمرون داخل القسطنطينية نفسها. ومع اقتراب المتمردين اضطربت المدينة، وفقد الإمبراطور القدرة على السيطرة على الموقف، فغادر القسطنطينية مع أسرته.
وهنا وجد فوقاس الطريق إلى العرش مفتوحًا.
وفي 23 نوفمبر سنة 602م استولى فوقاس على السلطة وتُوِّج إمبراطورًا للروم. والمصادر الحديثة التي أعادت بناء التسلسل اعتمادًا على الأخبار البيزنطية تجعل هذا اليوم نقطة استيلائه على الحكم.
لكن القصة لم تنته بخروج موريقيوس.
فالإمبراطور المخلوع حاول النجاة وطلب العون، وتشير روايات ثيوفيلاكت إلى أنه فكر في الاستعانة بالرجل الذي كان قد أنقذه قبل أحد عشر عامًا: كسرى أبرويز ملك فارس؛ بل يظهر ابنه الأكبر ثيودوسيوس في الروايات المتعلقة بمحاولة الاتصال بكسرى.
إلا أن فوقاس سبق الأحداث.
وبعد أربعة أيام فقط من استيلائه على الحكم، في 27 نوفمبر 602م، قُتل موريقيوس، وقُتل معه خمسة من أبنائه الستة. وهكذا انتهى حكم دام عشرين عامًا، وبدأ عهد فوقاس بالدم.
وهنا وقع ما لم يكن انقلابيو الدانوب يتصورون أثره.
فعلى عرش فارس كان يجلس كسرى أبرويز نفسه الذي طُرد من ملكه سنة 590م، ثم لجأ إلى موريقيوس، فأمده الإمبراطور الرومي بالمال والجيش وأعاده إلى عرش فارس سنة 591م. وقد نشأت بعد ذلك علاقة سلمية بين الدولتين استمرت حتى سقوط موريقيوس.
فلما بلغه أن موريقيوس قد أُطيح به وقُتل هو وأبناؤه، اتخذ كسرى مقتله ذريعة لإعلان الحرب على فوقاس؛ سواء كان دافعه الوفاء لموريقيوس، كما قدمته بعض الروايات، أم استغلال الفرصة السياسية لاستعادة ما خسرته فارس في صلح 591م. ومن هنا بدأت سنة 603م الحرب الكبرى التي ستقلب ميزان القوى في الشرق الأدنى.
وهكذا كان قرار عسكري على ضفاف الدانوب سنة 602م بداية سلسلة هائلة:
أمر موريقيوس الجيش بالمبيت وراء الدانوب → تمرد الجنود → اختيار فوقاس → الزحف إلى القسطنطينية → تولي فوقاس في 23 نوفمبر 602م → قتل موريقيوس وأبنائه في 27 نوفمبر → غضب كسرى واستئناف الحرب → انهيار قوة الروم تدريجيًا → ثورة هرقل → وصول هرقل إلى العرش في سنة البعثة 610م.
وهذا يجعل 23 نوفمبر 602م محطة ممتازة في الموسوعة؛ لأنها ليست مجرد «تولي ملك»، وإنما الشرارة السياسية التي أطلقت الحرب الفارسية الرومية الكبرى التي ستشكل خلفية نزول سورة الروم بعد ذلك بسنوات