قال جابر(رضي الله عنه) : «كنا في غزاة فكسع (٣٠) رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار (٣١). فقال الأنصاري: يالَلأنصار، وقال المهاجري: يالَلمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال : ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا يارسول الله : كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبدالله بن أبي فقال: فعلوها؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقام عمر فقال : يارسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ : دعه، لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه. وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد» (٣٢).
التحقيق الزمني والحسابي لهذه الحادثة
1. تحديد السنة (القرينة السكانية)
ورد في ختام النص قرينة تاريخية هامة: «وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد».
• التحليل الحسابي: استناد إلى هذه الزيادة العددية للمهاجرين ليثبت أن الغزوة وقعت في وقت "متوسط" من العهد المدني. فلو كانت في السنة الثانية (بدر) لكان المهاجرون قلة، ولو كانت بعد الفتح لكان المهاجرون كثرة غامرة.
• الترجيح: نستنتج من توازن القوى المذكور في المشاجرة أن الغزوة كانت في شعبان سنة 5 هـ، وهو ما يتوافق مع نمو مجتمع المدينة قبل "غزوة الخندق".
2. توقيت الفتنة (حساب المسافة والزمن)
تحدث هذه المشاجرة ("يالَلأنصار" و "يالَلمهاجرين") عادةً عند موارد الماء وفي طريق العودة.
• القرينة الزمنية: وقعت الحادثة عند بئر "المريسيع". وحسابياً، يستغرق الجيش للوصول من المدينة إلى هذا الموقع نحو 8 أيام.
• الحسبة: إذا كان الخروج في 2 شعبان، فإن هذه المشادة وقعت تقريباً في 10 شعبان، وهي اللحظة التي بدأ فيها المنافقون (عبد الله بن أبي بن سلول) استغلال التعب والازدحام لإثارة الفتنة.
3. قرينة "رأس النفاق" والرد النبوي
استخدم المحققون قول عمر بن الخطاب: «دعني أضرب عنق هذا المنافق» كقرينة إضافية:
• التحليل: في سنة 5 هـ، لم يكن قد نزل حكم نهائي في التعامل مع المنافقين بالقتل، وكان النبي ﷺ يحرص على "تأليف القلوب" وصورة الدولة الناشئة («لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»).
• الاستنتاج الزمني: هذه السياسة النبوية كانت في أوجها قبل استقرار الدولة تماماً، مما يعزز وقوعها في السنة الخامسة، حيث كان المنافقون لا يزالون يمثلون كتلة داخلية يخشى من إثارتها قبل "غزوة الأحزاب".
ملخص الجدول الزمني
الحدث التاريخ التقريبي القرينة المستند إليها
بداية الغزوة 2 شعبان 5 هـ رواية الواقدي والتحقق من وفاة سعد بن معاذ
وقوع الفتنة 10 - 12 شعبان الازدحام على ماء المريسيع (مسافة 8 أيام)
قول ابن أبي أواسط شعبان استغلال تعب الجيش في العودة
الوصول للمدينة أواخر شعبان مدة الرحلة كاملة (ذهاباً وإياباً)
الخلاصة: يرى المحققون أن نص رواية جابر يثبت أن الحادثة وقعت في وقت كان فيه المهاجرون قد بدأوا بالاستكثار عدداً، ولكن ليس بالقدر الذي يهيمنون فيه تماماً، مما يجعل سنة 5 هـ هي الأرجح حسابياً ومنطقياً.
(٣٢) البخاري/ الفتح (١٤ / ٢٨ / ح ٣٥١٨)