شهدت المعركة انهياراً متتابعاً بدأ بتراجع خيالة المسلمين ثم تبعهم المشاة، وانضم إليهم في الفرار الطلقاء والأعراب وكافة وحدات الجيش. ووسط هذا التقهقر الجماعي، بقي النبي ﷺ ثابتاً في موقعه دون أن يصمد معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث ⁽⁴³⁾ ونفر قليل من الصحابة ⁽⁴⁴⁾.
التحقيق الزمني بناءً على القرائن الإضافية المحققة
يُحلل هذا النص "الانهيار التراتبي" للجيش في صبيحة يوم 10 شوال 8 هـ وفق القرائن التالية:
قرينة "توالي الإدبار" (التحليل الحسابي): يكشف النص عن تسلسل زمني سريع جداً؛ بدأ بخيالة خالد بن الوليد (الطليعة) ثم المشاة ثم الطلقاء. حسابياً، استغرق هذا التفكك الشامل ما لا يزيد عن 10 إلى 15 دقيقة. هذا السقوط المتتابع للرتب العسكرية يؤكد أن الكمين نُفذ في لحظة "انعدام رؤية" حرجة جعلت التنسيق بين الوحدات مستحيلاً.
قرينة "ثبات النبي ﷺ" مقابل "فرار الطلقاء": يثبت التحقيق أن وجود "الطلقاء" (2000 مقاتل حديثي العهد بالإسلام) في مقدمة الجيش كان الثغرة الزمنية؛ ففرارهم في أول ضوء النهار (بين 6:15 و 6:25 صباحاً) أحدث موجة ارتدادية سحبت معها بقية الجيش. وفي تلك "اللحظة الفارقة"، تحولت المعركة من اشتباك جيوش إلى "ثبات فردي" للنبي ﷺ ومن معه.
برهان "أبو سفيان بن الحارث": وجود أبي سفيان ممسكاً بلجام بغلة النبي ﷺ ⁽⁴³⁾ هو القرينة المكانية والزمنية على أن المركز لم يتحرك رغم فرار الأجنحة. هذا الثبات استمر في الوقت الضيق الذي يسبق شروق الشمس، وهو الوقت الذي استُثمر لاحقاً لنداء العباس لإعادة المنهزمين.
(٤٣) البخاري/ الفتح (١٢/ ٦٤/ ح ٢٩٣٠)
(٤٤) هذا قول بعض أهل الحديث وأهل السير، ومثال ذلك ما روى ابن إسحاق: "... إلا أنه قد بقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبوبكر وعمر، ومن أهل بيته علي، والعباس، وأبوسفيان بن الحارث، وابنه، والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث، وأسامة، وأيمن بن أم أيمن بن عبيد؛ قتل يومئذ، انظر: ابن إسحاق، بإسناد حسن - ابن هشام (١٢٢/٤)