لقد تباينت الروايات حول المدة التي قضاها الرسول ﷺ في حصار الطائف. فيرى عروة وابن عقبة أنها كانت بضع عشرة ليلة، وفي رواية عن عروة أنها كانت نصف شهر. ويذكر ابن إسحاق مرة أنها بضع وعشرون ليلة، ومرة أنها ثلاثون ليلة أو قريب من ذلك. ويذكر ابن هشام أنها سبع عشرة ليلة، ويروي مسلم وأحمد أنها أربعون يوماً. والذي يكاد يتفق مع مجريات الأحداث هو ما ذكره موسى بن عقبة وعروة وابن هشام، وما في الصحيح أصح.
1. لماذا رواية "بضع وعشرون ليلة" أو "نصف شهر" هي الأقرب للمنطق الجغرافي؟
إذا اعتمدنا الجدول الزمني الذي بنيناه:
• 10 شوال: غزوة حنين.
• 11 - 15 شوال: مطاردة الفلول في أوطاس، ونخلة، ونقل الغنائم للجعرانة.
• 17 أو 18 شوال: وصول الجيش لحصون الطائف (كما رجحنا بـقانون المسافة والسرعة).
• 5 ذي القعدة: قرار فك الحصار والرحيل (بعد استشارة نوفل بن معاوية الديلي).
• النتيجة: المدة من 17 شوال إلى 5 ذي القعدة هي 18 ليلة، وهذا يتوافق تماماً مع رواية ابن هشام (17 ليلة) ورواية عروة (نصف شهر/بضع عشرة ليلة).
2. تحليل رواية "الأربعين يوماً" (في الصحيح)
رواية الإمام مسلم التي ذكرت 40 يوماً قد تُحمل على "الرحلة كاملة" من يوم الخروج من مكة إلى يوم العودة إليها من الجعرانة، وليس مدة المكث تحت الحصن فقط.
• الحساب: من 6 شوال (الخروج من مكة) إلى 15 ذي القعدة (العودة من الجعرانة) = حوالي 39-40 يوماً. هذا الجمع يزيل التعارض بين نص "الصحيح" وبين المعطيات الجغرافية والزمنية.
3. التوفيق بين "قانون المسافة" وبين "مجريات الأحداث"
لقد ذكرتَ أن طريق السيل (100 كم) هو المعتمد، وهذا الطريق يحتاج جهداً كبيراً لنقل المنجنيق والدبابة (آلات الحصار). فإذا استغرق الجيش 3-4 أيام للوصول، ثم بدأ الحصار، فإن رواية الـ 40 يوماً للحصار "المحض" تجعل النبي ﷺ يبقى في الطائف حتى منتصف ذي القعدة، وهذا يصطدم مع حقيقة أنه ﷺ اعتمر في ذي القعدة من الجعرانة بعد أن أمضى فيها 10-15 يوماً.
الخلاصة:
الحساب الفيزيائي يدعم بقوة رواية (17 إلى 20 ليلة) كمدة فعليّة للحصار تحت أسوار الطائف، لأنها الوحيدة التي تترك متسعاً زمنياً كافياً لعودة الجيش للجعرانة، وتوزيع الغنائم، وانتظار وفد هوازن، ثم أداء العمرة قبل نهاية شهر ذي القعدة.
(94) جزم الواقدي (3/ 923، 927) مرة بأن سلمان الفارسي عمل المنجنيق بيده ومرة أخرى بأن الطفيل بن عمرو قدم بدبابة ومنجنيق عندما عاد من مهمته الخاصة بهدم صنم عمرو بن حممة - ذي الكفين. ثم ساق أقوالاً أخرى بصيغة التمريض فقال: «ويقال قدم المجانيق يزيد بن زمعة ودبابتين، ويقال الطفيل بن عمرو!! ويقال خالد بن سعيد قدم من جرش بمجانيق ودبابتين». والمنجنيق آلة ترمى بها الحجارة الثقيلة ونحوها ليدك الحصون ومن فيها. وهي لفظة معربة.