مساهمة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في تجهيز "جيش العسرة"، حيث أنفق ألفي درهم كانت تمثل نصف ماله الذي يملكه آنذاك (٢٤). وتعكس هذه الرواية روح التضحية العالية التي سادت صفوف الصحابة، حيث لم يقتصر الأمر على كبار الممولين فحسب، بل شمل تقديم "شطر المال" في وقت كانت فيه الدولة بأمس الحاجة لكل درهم لتأمين الزحف نحو تبوك في ظل الظروف المناخية والاقتصادية القاسية.
التحقيق الزمني الحسابي:
بالاستناد إلى "حجر الاستناد" والقرائن المادية لقوة المسلمين المالية في تلك الفترة، نخلص إلى الآتي:
زمن "المنافسة المالية" (أوائل رجب 9 هـ): وقعت هذه النفقة بالتزامن مع نفقة عثمان بن عفان، مما يشير إلى أن "غرفة العمليات" المالية في المدينة شهدت تدفقاً نقدياً مكثفاً في الأيام الثلاثة الأولى من شهر رجب. حسابياً، هذا التدفق السريع هو ما أتاح للجيش تجاوز "عقبة البدء" والتحرك في الموعد المحدد (3 رجب).
القوة الشرائية للـ "ألفي درهم": الدرهم الفضي كان يمثل العملة المتداولة للتجارة اليومية والمؤن. حسابياً، ألفا درهم كانت كافية لتأمين "زجاجات الماء" والزاد الجاف (السويق والتمر) لكتيبة كاملة لمدة 31 يوماً (زمن الرحلة المحقق إلى تبوك). وهذا يفسر كيف تكاملت نفقة ابن عوف (للمؤن) مع نفقة عثمان (للإبل والرواحل).
قرينة "نصف المال": بما أن عبد الرحمن بن عوف كان تاجراً، فإن إنفاق "النصف" في شهر رجب (أكتوبر) يعني تقديم السيولة النقدية المتاحة قبل دورة الربح القادمة. حسابياً، هذا الإنفاق يثبت أن "جيش العسرة" استنزف 50% من السيولة الخاصة لكبار التجار، مما يؤكد ضخامة التحدي المادي الذي واجهته الدولة في تلك الغزوة.
تأمين "خط الإمداد" (778 كم): بجمع التبرعات (ألف دينار ذهبي وألفا درهم فضي وغيرها)، نجد أن الجيش امتلك "غطاءً نقدياً" كافياً لشراء الإمدادات من القبائل التي سيمر بها في الطريق. حسابياً، وجود السيولة في يد الجيش قلل من حاجته لحمل أوزان ثقيلة من الطعام، مما ساعد في الحفاظ على سرعة 25 كم/يوم للوصول في 4 شعبان.
(24) انظر الروايات في هذا عند الطبري في تفسيره (14/ 382 - 391/شاكر) عند تناوله تفسير قوله تعالى ﴿الذين يلمزون المطوعين...﴾ - التوبة: 79. والروايات التي ساقها ضعيفة ولكنها تعتضد لتقوية الخبر تاريخيا.