يصور النص جانباً إنسانياً وإيمانياً عميقاً في تجهيز "جيش العسرة"، حيث ساهم فقراء المسلمين بأقصى ما يملكون رغم استحياء بعضهم من قلة نفقته، فقدم أبو عقيل "نصف صاع من تمر" وجاء غيره بما هو أكثر قليلاً، مما عرضهم لسخرية ولمز المنافقين الذين ادعوا أن الله غني عن هذه الصدقات البسيطة أو اتهموا المكثرين بالرياء. فجاء الرد الإلهي حاسماً بنزول الآية: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} (٢٦)، لتكرم هؤلاء المتصدقين وتجعل من "جُهد المقلّ" ركيزة أساسية في بناء وتجهيز الجيش.
التحقيق الزمني الحسابي:
بالاستناد إلى "حجر الاستناد" الحسابي والقرائن المرتبطة بنوع النفقة (التمر)، نصل إلى التحليل التالي:
زمن "الصدقات العينية" (أوائل رجب 9 هـ): وقعت هذه المساهمات في ذروة الاستنفار العام قبل الخروج في 3 رجب. حسابياً، تقديم "الصاع ونصف الصاع" من التمر في أكتوبر 630 م (فترة الخريف) يمثل التضحية بأغلى ما يملكه الفقراء من "القوت المخزن"، لأن التمر الجديد كان لا يزال في طور النضج النهائي، مما يبرز قيمة هذه النفقة كمدد غذائي فوري.
القيمة اللوجستية لـ "صاع التمر": الصاع النبوي يعادل تقريباً 2.5 كجم. حسابياً، صاع واحد من التمر يمثل "حصة غذائية مركزة" (High-calorie ration) تكفي جندياً واحداً لمدة 4 إلى 5 أيام من المسير الشاق. وبجمع صدقات الفقراء، توفرت للجيش آلاف الوجبات الفردية التي ساعدت في تغطية مسافة الـ 778 كم، خاصة في قطاعات المسير التي تخلو من موارد المياه أو الكلاء.
قرينة "جهد المقل" والسرعة: مساهمة الفقراء بـ "جهدهم" وفرت للجيش الاستقلالية التموينية. حسابياً، لكي يحافظ جيش من 30 ألف مقاتل على سرعة 25 كم/يوم، فإنه يحتاج إلى توزيع الأحمال؛ وصدقات التمر (خفيفة الوزن، عالية الطاقة) كانت الوقود المثالي الذي مكن المشاة من الحفاظ على وتيرة المسير للوصول في 4 شعبان.
المطابقة مع "نضج الثمار": سخرية المنافقين من "نصف الصاع" كانت نابعة من رؤية اقتصادية مادية ترى أن مثل هذه الكمية لا تؤثر في ميزان المعركة. لكن حسابياً، تراكم هذه الصدقات هو الذي صنع "الفائض اللوجستي" الذي أمن الجيش في رحلة العودة (خلال شهر رمضان)، حيث كان هذا التمر هو المادة الأساسية لإفطار الجنود وسحورهم.
(26) البخاري/ الفتح (211/17 - 213/ح 4668).