الخاتمة التشريفية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد عودته من اليمن، حيث أعلن النبي ﷺ ولايته ومحبته في خطبة غدير خم بقوله: «فمن كنت مولاه فإن علياً مولاه» (19). ويعد هذا الإعلان النبوي رداً حاسماً على كل من انتقده أو شكاه من الجند، وتأكيداً على مكانته الخاصة في الأمة والدعاء له بموالاة الله وموالاة المؤمنين (19).
التحقيق الزمني الحسابي (استناداً إلى القرائن والأدلة):
1. يوم الواقعة (تاريخ محدد): وقعت هذه الحادثة في 18 ذي الحجة سنة 10 هـ. حسابياً، هذا التاريخ يأتي بعد 5 أيام من انتهاء أيام التشريق، و4 أيام من مغادرة النبي ﷺ لمكة متوجهاً إلى المدينة في طريق عودته من حجة الوداع.
2. حساب "الموقع الجغرافي": يقع "غدير خم" في منطقة الجحفة (قرب رابغ حالياً)، وتبعد عن مكة حوالي 157 كم. وبما أن المسير اليومي للقوافل يبلغ حوالي 40 كم، فإن الوصول إليها في اليوم الرابع أو الخامس من الرحلة (18 ذي الحجة) يتوافق تماماً مع الحسابات الجغرافية.
3. الارتباط بشكاوى اليمن: يذكر المحققون أن توقيت الخطبة جاء لتصفية النفوس مما علق بها من شكاوى الجيش ؛ فبعد أن أعلن النبي ﷺ نزاهة علي في مكة، أراد في طريق العودة (حيث تتفرق القبائل لبلدانها) أن يثبت محبة علي في قلوب الجميع، مما يعني أن "الزمن الفاصل" بين الشكوى وبين رد الاعتبار النهائي كان قرابة أسبوع واحد.
ذكرتُ أن الواقعة كانت بعد 5 أيام (تقريباً) من انتهاء أعمال الحج بناءً على الحساب الزمني لمسافة الطريق من مكة إلى منطقة "الجحفة" (حيث يقع غدير خم):
1. انتهاء الحج: تنتهي أعمال الحج برمي الجمار في آخر أيام التشريق (13 ذي الحجة)، وفي هذا اليوم أو الذي يليه (14 ذي الحجة) طاف النبي ﷺ طواف الوداع وغادر مكة.
2. المسافة الجغرافية: تبعد منطقة "غدير خم" (بالقرب من الجحفة) عن مكة حوالي 157 إلى 160 كيلومتراً.
3. معدل مسير القوافل: كانت القوافل الكبيرة (التي تضم آلاف المشاة والركبان) تقطع في اليوم الواحد ما بين 35 إلى 40 كيلومتراً.
4. الحساب الرقمي: (160 كم ÷ 40 كم/يوم = 4 أيام من السير).
o إذا انطلقوا يوم 14 ذي الحجة، فإنهم يصلون في اليوم الرابع من مسيرهم وهو يوم 18 ذي الحجة.
لذا، فإن الفارق بين مغادرة مكة والوصول إلى الغدير هو حوالي 4 إلى 5 أيام، وهو ما يتطابق مع التاريخ المشهور للواقعة في كتب السير والحديث.
(١٩) رواه ابن كثير في البداية (٥ / ٢٣٥) من عدة طرق، قال في إحداها: «تفرد به النسائي من هذا الوجه قال شيخنا أبوعبدالله الذهبي: وهذا حديث صحيح» وقال في أخرى (٥ / ٢٣٨): من رواية أحمد: «وهذا إسناده جيد ورجاله ثقات على شرط السنن». وانظر: ابن كثير: البداية (٥ / ٢٣٤ - ٢٤٠) عن مناقشة روايات هذا الحديث.