بدأت البعثة بالرؤيا الصادقة؛ فكان النبي ﷺ لا يرى رؤيا إلا تحققت واضحةً كفلق الصبح، في تهيئة ربانية هادئة لقلبه قبل نزول الوحي.
ثم حُبب إليه الخلاء، واستمرت مقدمات النبوة حتى جاء رمضان، فنزل عليه جبريل عليه السلام في غار حراء.
دخل النبي ﷺ عامه الحادي والأربعين، وقد اكتملت سنوات الإعداد الطويلة، وإذا بمرحلة جديدة تبدأ بهدوء شديد؛ لا بصوت يهز مكة، ولا بملك يملأ الأفق، بل برؤيا في المنام.
كان ﷺ ينام، فيرى الرؤيا، ثم يصبح فيراها تتحقق في الواقع كما رآها تمامًا؛ لا اضطراب فيها ولا التباس، حتى وصفت عائشة رضي الله عنها ذلك بقولها: «فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح». كانت الرؤيا واضحة في تحققها، واضحة كوضوح النور حين يشق ظلمة الفجر.
وتتابعت هذه الرؤى، وكأن الله تعالى يهيئ قلب نبيه ﷺ شيئًا فشيئًا للانتقال من عالم الناس المعتاد إلى عالم الوحي. لم يبدأ الأمر فجأة بثقل الرسالة، وإنما سبقه تمهيد لطيف، يتكرر في الليل، ثم يراه ﷺ واقعًا في النهار، فيزداد قلبه يقينًا واستعدادًا لما هو آت.
ثم حُبب إليه الخلاء، فأصبح يميل إلى البعد عن ضجيج مكة وأصنامها ومجالسها، ويتجه إلى حراء، يمكث الليالي ذوات العدد متعبدًا متفكرًا، ثم يعود إلى خديجة رضي الله عنها ليتزود ويعود إلى خلوته.
وهكذا كانت الرؤيا الصادقة أول خيط من نور النبوة، ومرحلة هادئة سبقت اللحظة الكبرى. وعلى القول الذي رجحه جماعة من أهل العلم، بدأت هذه المرحلة في ربيع الأول سنة 13 قبل الهجرة، بعد أن أتم ﷺ الأربعين، واستمرت أشهرًا حتى جاء رمضان، وحانت اللحظة التي انتقل فيها الوحي من الرؤيا في المنام إلى لقاء جبريل عليه السلام في غار حراء.
فلم تكن الرؤيا الصادقة حادثة عابرة في نوم النبي ﷺ، بل كانت البداية الأولى للبعثة، والتهيئة الربانية المباشرة لاستقبال أعظم خطاب سينزل من السماء إلى الأرض.