توفي ورقة بن نوفل رضي الله عنه بعد بدء الوحي بمدة يسيرة، بعدما صدّق النبي ﷺ وثبّته ووعده بالنصرة، فغاب مبكرًا قبل أن تظهر الدعوة ويشهد ما أخبر به من أذى قريش.
وشاء الله أن يكون دوره قصيرًا في الزمن عظيمًا في الأثر؛ حضر لحظات النبوة الأولى مؤمنًا مصدقًا، ثم رحل قبل أن يدرك يوم النصرة الذي تمناه.
ما أسرع ما دخل ورقة بن نوفل في أحداث النبوة، وما أسرع ما خرج منها!
كان شيخًا كبيرًا قد عركته السنون، وقرأ من كتب أهل الكتاب ما شاء الله أن يقرأ، ثم ساقته الأقدار في أيام قليلة ليكون قريبًا من أعظم تحول في تاريخ مكة. فما كاد الوحي ينزل على محمد ﷺ حتى أصبحت أخبار النبي الجديد تتردد على مسامع ورقة؛ جاءت إليه خديجة رضي الله عنها وحدها تسأله عما رأى زوجها وسمع، فكان جوابه حاسمًا مطمئنًا: **«لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت»**.
ثم لقي النبي ﷺ بنفسه عند الكعبة، فسمع منه، وصدقه، وثبته، وأخبره أن الطريق لن يكون هينًا، وأن قومه سيكذبونه ويؤذونه ويخرجونه. ثم كانت الزيارة الأخيرة حين جاءت به خديجة رضي الله عنها إليه، فسمع ورقة القصة من صاحبها مرة أخرى، وأعلن أمنيته الكبرى: **«يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك»**.
كان يتمنى الشباب، وكأنه يشعر أن جسده الهرم لن يسعفه طويلًا. وتمنى أن يبقى حتى تأتي أيام الشدة، ثم قطع للنبي ﷺ وعدًا صادقًا: **«وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا»**.
ولكن ذلك اليوم لم يدركه ورقة.
فقد شاء الله، لحكمة يعلمها سبحانه، أن ينتهي دور هذا الشيخ في بدايات الطريق. ولم تمضِ إلا مدة يسيرة حتى جاء الأجل. قالت عائشة رضي الله عنها في كلمات قصيرة تحمل نهاية قصة كاملة: **«ثم لم ينشب ورقة أن توفي»**.
مات ورقة مبكرًا؛ قبل أن تظهر الدعوة، وقبل أن يقف النبي ﷺ أمام قريش منذرًا، وقبل أن تبدأ سنوات الأذى الطويلة التي كان ورقة قد تنبأ بها.
ولا شك أن رحيله كان **فقدًا لنصير مبكر**؛ فقد كان في تلك الأيام من أعرف الناس بما يجري للنبي ﷺ، وكان قريبًا من أحداثه الأخيرة: تسأله خديجة، ويقص عليه النبي ﷺ، فيفسر ويصدق ويبشر ويثبت. ثم فجأة غاب ذلك الصوت الذي كان يقول: **«اثبت»**.
ولا نملك نصًا صحيحًا يقول إن وفاة ورقة كانت سبب حزن النبي ﷺ أو سبب فترة الوحي، فلا ننسب ذلك إليه جزمًا؛ لكن من الطبيعي أن يكون رحيل رجل بهذه المكانة **خسارةً للنصرة التي كان يمكن أن يقدمها**. فهو قرشي ذو مكانة، عالم بالكتب السابقة، وقد شهد منذ اللحظة الأولى بأن الذي جاء محمدًا ﷺ هو ناموس موسى، ثم أعلن استعداده لنصرته. ولو امتد به العمر، لكان للنبي ﷺ نصير يعرف قريش مكانته ويعرف أهل مكة علمه.
لكن الله لم يجعل قيام هذه الرسالة معلقًا بورقة، ولا بعالم، ولا بوجيه من قريش. **أدى ورقة ما قُدِّر له أن يؤديه، ثم رحل.**
ويا لعجيب الأقدار! لم يعش ورقة في الإسلام سنوات، ولم يشهد انتشاره، ولم ير أصحابه يكثرون، ولم يدرك الهجرة ولا بدرًا ولا الفتح؛ لكنه حضر **اللحظات التي كان فيها النبي ﷺ أحوج ما يكون إلى كلمة التصديق**. جاء دوره في أول الطريق، فأداه كاملًا: عرف، وصدق، وثبت، ووعد بالنصرة.
ثم مات ورقة...
وبقي النبي ﷺ أمام طريق طويل أخبره ورقة نفسه بشدته. وغاب الشيخ الذي كان يقرأ له ما وراء الأيام، وسكنت أخبار السماء في فترة الوحي، وكأن مرحلة التثبيت البشري الأولى قد أغلقت صفحتها.
لكن الله الذي قبض ورقة **لم يترك نبيه ﷺ**؛ فقد كانت العناية الإلهية تعده لما هو أعظم، وكان جبريل عليه السلام سيعود، وكان الأمر الإلهي سيأتي بعد ذلك حاسمًا:
**﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.**