بعد الرؤيا الصادقة وتحبيب الخلوة، بدأ النبي ﷺ يرى ضوءًا ويسمع صوتًا في اليقظة، في إرهاص جديد يهيئه لما سيأتي من الوحي.
وكان ذلك قبل نزول جبريل في حراء، كما يدل قول ورقة: «فإن بُعث وأنا حي»، فدل على أن الرسالة لم تكن قد استعلنت بعد.
بدأت الرؤيا الصادقة تؤنس قلب النبي ﷺ؛ يرى في نومه أمرًا، ثم يراه في اليقظة واضحًا كفلق الصبح. ثم حُبب إليه أن يخلو بنفسه، بعيدًا عن ضجيج مكة، يتفكر فيما يراه، ويصفو قلبه وذهنه لما يقترب منه من أمر عظيم.
وفي هذه الخلوات بدأت الإشارات تنتقل من المنام إلى اليقظة؛ نور يراه، وصوت يسمعه، شيء جديد لم يألفه من قبل، حتى داخلته رهبة من حقيقة ما يحدث له. فعاد إلى خديجة رضي الله عنها، المرأة التي عرفته منذ سنين وعرفت صدقه وأمانته، وقال لها: «إني أرى ضوءًا وأسمع صوتًا».
لم تفزع خديجة، ولم تشك لحظة في طهارة نفسه، بل طمأنته بأن الله لا يخذله. وهكذا كان الانتقال هادئًا ومتدرجًا: رؤيا في المنام، ثم خلوة، ثم نور وصوت في اليقظة؛ وكأن قلبه ﷺ كان يُهيأ درجةً بعد درجة، حتى يأتي اليوم الذي لن يكون فيه الأمر مجرد إشارة بعيدة، بل لقاءً مباشرًا بجبريل عليه السلام.