بعد نحو **خمسة وأربعين يومًا من البعثة**، شهد عفيف الكندي بمنى النبي ﷺ يصلي متجهًا إلى الكعبة، **وعليٌّ عن يمينه وخديجة خلفهما**، في مشهدٍ يكشف بواكير الإسلام وعدم استتار النبي ﷺ بعبادته، حتى قال العباس: **«ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة»**.
لم يمض على نزول **{اقرأ}** ـ وفق تأريخنا ـ إلا أسابيع قليلة، حتى أقبل أول موسم حج بعد البعثة، وامتلأت منى بوفود العرب وتجّارهم.
وكان فيهم **عفيف الكندي**، قدم حاجًّا تاجرًا، فنزل على العباس بن عبد المطلب. وبينما هو عنده، خرج النبي ﷺ من خباء قريب، ونظر إلى الشمس، فلما مالت قام متوجهًا نحو الكعبة يصلي.
ثم أقبل **علي بن أبي طالب**، وكان يومئذ غلامًا، فقام عن يمين النبي ﷺ، ثم جاءت **خديجة رضي الله عنها** فقامت خلفهما؛ فإذا ركع ﷺ ركعا، وإذا رفع رفعا، وإذا سجد سجدا معه.
وقف عفيف مأخوذًا بالمشهد؛ صلاة لم يعرفها، وثلاثة وحدهم يؤدونها بين جموع الحجيج. فالتفت إلى العباس متعجبًا: **«يا عباس، ما هذا؟»**
فعرّفه العباس بهم، وأخبره أن ابن أخيه محمدًا ﷺ يقول إن الله أرسله بهذا الدين، ثم كشف له عن مبلغ الدعوة يومئذ فقال: **«والله ما على ظهر الأرض كلها أحد على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة»**.
ثم أخبره بما هو أعجب من ذلك كله: أن محمدًا ﷺ، وهو لا يزال في هذه البداية، **«يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر»**.
ثلاثة فقط يصلّون في منى، ورسالة ما تزال في أسابيعها الأولى، لا جيش وراءها ولا دولة ولا سلطان؛ ومع ذلك يمتد بصر صاحبها إلى **كسرى وقيصر**، أعظم قوتين في العالم يومئذ، ويبشر بفتح كنوزهما.
ولم يكن النبي ﷺ قد أُمر بعد بالصدع العام، ومع ذلك لم تكن رسالته سرًّا يخفيه ولا عبادة يستتر بها؛ ففي **منى، وفي موسم العرب الأكبر**، قام يصلي لربه، عليٌّ عن يمينه وخديجة خلفهما، ويصل إلى مسامع من حوله منذ تلك البدايات أن لهذه الرسالة شأنًا يتجاوز مكة والجزيرة.
ومضت السنون، وأسلم عفيف، وبقي ذلك المشهد الأول حيًّا في ذاكرته، حتى تمنى لو أنه آمن يوم رآهم، فقال متحسرًا: **«يا ليتني كنت رابعًا»**.
لقد رأى عفيف يومها **ثلاثة يصلّون في منى**، وسمع حديثًا عن **كنوز كسرى وقيصر**؛ ولم يكن يدري أن تلك الجماعة التي يستطيع أن يعد أفرادها بعينيه تحمل رسالة ستبلغ يومًا عروش أعظم ملوك الأرض.