خرج طلحة رضي الله عنه من بُصرى مسرعًا يحمل بشارة الراهب، فلما قدم مكة سأل عن الخبر فعلم بظهور أمر النبي ﷺ وسبق أبي بكر إلى الإيمان، فقصد أبا بكر يسأله.
خرج طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه من بُصرى وقد تغيّر كل شيء في داخله. قبل ساعات كان شابًا في سوق من أسواق الشام، يباشر تجارته ويخالط الناس، ثم سمع من الراهب كلمات لم يستطع أن يتعامل معها كخبر عابر: **هذا شهره الذي يخرج فيه... فإياك أن تُسبق إليه**.
وقعت العبارة في قلبه، فتحول الطريق إلى مكة من رحلة عودة إلى **سباق مع الزمن**. لم يعد همه أن يتمهل مع تجارة أو ينتظر انتهاء الموسم، بل ترك ما يشغله وانصرف مسرعًا، والرواية نفسها تختصر حاله بقولها: **«فخرجت سريعًا حتى قدمت مكة»**.
ويبدو من هذا الوصف أنه كان يتحرك بحرية كبيرة؛ فلم يكن مربوطًا بقافلة بطيئة تلزمه مسيرها ومحطاتها، بل إما أنه انفرد أو كان في رفقة قليلة لا تعوقه، وهذا هو الذي يفسر معنى الإسراع في خبر يرويه هو عن نفسه. أمامه طريق طويل من بُصرى إلى مكة، لكنه كان يحمل سؤالًا واحدًا: هل ظهر ذلك الرجل الذي سماه الراهب **أحمد بن عبد الله بن عبد المطلب**؟
ومرت عليه الأيام والطريق يطول، وكلما اقترب من مكة ازداد شوقه إلى الخبر. كان قد خرج من الحرم قبل أن يسمع بشيء، ثم أخبره راهب في الشام أن هذا هو شهر الظهور؛ فكان يعود الآن وفي نفسه ترقب: أيمكن أن يكون الأمر قد وقع فعلًا وهو غائب؟
فلما دخل مكة لم يذهب أولًا إلى راحة ولا إلى حديث طويل مع أهله، وإنما بادر بالسؤال:
**«هل كان من حدث؟»**
وكان السؤال نفسه يكشف أنه يتوقع شيئًا بعينه.
فجاءه الجواب الذي صدّق ما حمله معه من بُصرى: قيل له إن **محمد بن عبد الله** قد ظهر أمره، وإن **ابن أبي قحافة قد اتبعه**.
كان الخبر إذن قد بدأ يظهر في الدائرة القريبة، لكنه لم يكن بعد خبرًا عامًا يملأ مكة؛ ولذلك لم يُذكر له من السابقين إلا أبو بكر رضي الله عنه، وكأن الخبر لا يزال في أول خروجه، يعرفه القليل ويتناقله من وصل إليهم.
عندها لم يحتج طلحة إلى البحث طويلًا عمن يسأله؛ عرف الطريق إلى أبي بكر، ابن عشيرته التيمية، والرجل الذي قيل له إنه سبق إلى هذا الأمر.
فذهب إليه وفي نفسه بقايا كلمات الراهب، وبادره بالسؤال الذي كان ينتظره طوال الطريق:
**«أتبعت هذا الرجل؟»**
وهنا تنتهي المرحلة الأولى من القصة: شاب خرج من بُصرى يحمل بشارة، قطع الطريق مسرعًا، ودخل مكة ليجد أن الخبر الذي سمعه في الشام قد بدأ يتحقق، وأن أول خيط يقوده إلى الحقيقة كان عند أبي بكر رضي الله عنه.