اختار أبو بكر رضي الله عنه الزبيرَ وهو فتى في السادسة عشرة، فكان في دعوته له شاهدٌ على حكمته في بناء جيل الإسلام الأول من **الكبار والشباب، وأهل المكانة والتجارة والقوة**.
### دعوة أبي بكر للزبير بن العوام رضي الله عنهما
لم يكن أبو بكر رضي الله عنه، وهو يخطو خطوات الدعوة الأولى، يدعو الناس على صورة واحدة؛ فقد عرف رجال مكة، وخبر طبائعهم ومنازلهم، وكان ينتقي ممن يعرف فيهم الصدق والاستعداد لقبول الحق. وكان ممن وقع اختياره عليه **الزبير بن العوام رضي الله عنه**، ذلك الفتى القرشي الذي لم يتجاوز - على الراجح - **السادسة عشرة من عمره**.
كان الزبير قد نشأ يتيم الأب في بيت ذي مكانة في قريش؛ فأبوه **العوام بن خويلد**، وأمه **صفية بنت عبد المطلب**، المرأة القوية الحازمة التي عُرفت بشدة تربيتها له، حتى نشأ قوي النفس، جريئًا، صلبًا. وكان من بيت عرف التجارة واتصل بها، ثم عُرف الزبير نفسه بالتجارة في حياته، كما اجتمع له قرب خاص من بيت النبوة؛ فهو **ابن عمة رسول الله ﷺ، وابن أخي خديجة رضي الله عنها**.
ولا تحفظ لنا الروايات الحوار الذي جرى بين أبي بكر والزبير، ولا تخبرنا لماذا اختاره أبو بكر تحديدًا؛ ولذلك لا يصح أن ننسب إليه سببًا بعينه. لكن اختيار فتى في نحو السادسة عشرة، إلى جانب رجال أكبر منه سنًا وتجربة، يكشف عن **تنوع لافت في الدائرة الأولى التي توجه إليها أبو بكر بالدعوة**: ففيها التاجر الناضج، وفيها الرجل صاحب المكانة، وفيها الشاب القوي المقبل على الحياة.
ومن هنا تبدو حكمة أبي بكر رضي الله عنه؛ فلم يحصر الدعوة في جيله وأقرانه، بل امتدت إلى **جيل الشباب** أيضًا. وكان الزبير نموذجًا مميزًا لذلك الجيل: فتى قوي النشأة، قرشي النسب، قريب من بيت النبوة، ستكشف الأيام عن شجاعة مبكرة وشخصية قادرة على حمل أعباء الدعوة.
وهكذا طرق أبو بكر قلب الزبير وهو في مقتبل شبابه، فكان اختياره واحدًا من الاختيارات المبكرة التي أظهرت أن أبا بكر رضي الله عنه **كان يبني للدعوة دائرة متنوعة الأعمار والقدرات والمكانات**؛ رجالًا ناضجين وشبابًا، وأهل تجارة ومكانة وقوة، حتى كان ذلك الفتى ذو الستة عشر عامًا واحدًا من السابقين الأولين.