تجلت شجاعة النبي ﷺ المطلقة بركوبه بغلته الشهباء "دلدل" مندفعاً نحو قلب العدو في حومة الوغى، بينما أمسك أبو سفيان بن الحارث والعباس بلجامها وركابها لكفها عن الإسراع المفرط نحو صفوف هوازن ⁽⁴⁶⁾. برز هذا الثبات الفريد رغم انكشاف الجيش وتراجعه، متخذاً من البغلة—غير المخصصة للكر أو الفر أو سرعة الجري—وسيلة لإعلان التحدي والثقة بنصر الله الموعود ⁽⁴⁷⁾.
التحقيق الزمني الحسابي (استناداً إلى القرائن والأدلة)
يعتمد تحديد زمن هذه الحادثة بدقة على "التحليل الميكانيكي" للحركة المذكورة في النص مقارنة بالمسار الزمني للمعركة:
برهان "نوع المركوب" (البغلة): ركوب النبي ﷺ للبغلة "دلدل" بدلاً من الخيل هو قرينة زمنية وميدانية قاطعة؛ فالبغلة لا تُستخدم في المطاردات الطويلة أو الهرب السريع، مما يثبت أن الحادثة وقعت في المرحلة الوسطى من الفجر (بين 6:20 و 6:40 صباحاً). هذا التوقيت يلي مباشرة لحظة انكسار "الطلقاء" وبداية تراجع الجيش، حيث كان النبي ﷺ في قلب الوادي الضيق.
قرينة "الإسراع نحو العدو" مقابل "الكف": ذكر النص أن العباس وأبا سفيان كانا يكفان البغلة عن الإسراع ⁽⁴⁶⁾. حسابياً، وبما أن سرعة البغلة محدودة، فإن "الإسراع" هنا يشير إلى المسافة القصيرة جداً (أمتار معدودة) التي تفصل بين موقع النبي ﷺ وبين شعاب هوازن المختبئة. هذا يؤكد أن الواقعة حدثت في ذروة "وقت الغلس" حيث لا تزال الرؤية غير مكتملة، مما تطلب بقاء هؤلاء الصحابة بجانبه لمنع اختراقه لخطوط العدو وحده.
دليل "التنويه بالاسم": إعلان النبي ﷺ عن اسمه في هذا التوقيت ("أنا النبي لا كذب") هو ضرورة زمنية أملتها "عماية الصبح"؛ ففي ذلك الوقت (حوالي الساعة 6:30 صباحاً)، كان الجيش المنهزم يحتاج إلى "منار صوتي" و"بصري" (بياض البغلة في الغبش) لإعادة التجمع، وهو ما يغلق الفجوة الزمنية بين لحظة الفرار ولحظة بداية العودة إلى الميدان.
الخلاصة الزمنية: وقعت هذه الحادثة تحديداً في الثلث الأخير من ساعة الفجر صبيحة 10 شوال 8 هـ، وهي اللحظة التي تحول فيها المسار العسكري من "هزيمة محققة" إلى "ثبات استراتيجي" مهد لعملية الهجوم المضاد.
(٤٦) مسلم (٣/ ١٣٩٨/ ح ١٧٧٥).
(٤٧) انظر ابن كثير: التفسير (٤/ ٧٠).