(٩) - حين اشتدت الحمى على النبي ﷺ، أمر بصب سبع قرب من الماء عليه ليستعيد قوته ويتمكن من لقاء الأمة، ولما أحس بخفة، خرج معصوب الرأس وجلس على المنبر محذراً من صنيع اليهود والنصارى في اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، (١٠) - وشدد ﷺ في دعائه بألا يُجعل قبره وثناً يُعبد من دون الله، (١١) - وقد كانت هذه الوصية الحاسمة قبل وفاته بخمسة أيام، لتكون ميثاقاً يحمي جناب التوحيد ويمنع الغلو في الصالحين.
التحقيق الزمني لوقوع الحادثة
يمثل هذا الحدث "الخروج الأخير" للنبي ﷺ للمنبر لمخاطبة العامة ببيان تشريعي:
• تحديد الحادثة: الاغتسال بسبع قرب، والخطبة التحذيرية من اتخاذ القبور مساجد.
• الزمن بالهجري: يوم الخميس، 8 ربيع الأول عام 11 للهجرة.
• الزمن بالميلادي: يوافق تقريباً 30 مايو عام 632 ميلادي.
• القرائن الاستنادية:
1. القرينة النصية (١١): صرح المحققون بأنها كانت "قبل أن يموت بخمس"، وبما أن الوفاة كانت يوم الاثنين (12 ربيع الأول)، فالحساب التراجعي يوصلنا إلى يوم الخميس (8 ربيع الأول).
2. صب الماء: ذكرت الروايات الصحيحة (كالبخاري ومسلم) أن النبي ﷺ قال: "صُبوا عليّ من سبع قِرب لم تُحلل أوكيتهن"، وكان ذلك يوم الخميس الذي اشتد فيه وجعه قبل أن يخرج لخطبته الأخيرة تلك.
3. عصب الرأس: ورد في السير أنه ﷺ خرج "عاصباً رأسه بمِعصم دَسِم"، وهو ما يطابق الوصف الوارد في النص، ويؤكد أنها كانت في اللحظات التي سبقت انقطاعه التام عن المسجد.
4. مضمون الوصية: التحذير من القبور في هذا التوقيت كان سببه علمه ﷺ بدنو أجله، فأراد حماية التوحيد في آخر عهده بالناس.
(٩) البخاري/ الفتح (٣/ ٩٨ - ٩٩/ ح ٤٢٥، ٤٣٦، ٤٣٧)
(١٠) مالك: الموطأ، ص ٣٦٥.
(١١) البيهقي: دلائل النبوة (٧/ ١٦٩ - ١٨٠)، ونقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية، وقال عنه: «في إسناده ومتنه غرابة شديدة».