لما أخبر النبي ﷺ خديجة رضي الله عنها أنه يرى ضوءًا ويسمع صوتًا، عرضت أمره على ورقة بن نوفل، فقال: «إن يك صادقًا فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بُعث وأنا حي...».
وتدل صيغة «فإن بُعث» على أن الحادثة كانت قبل نزول جبريل في حراء، وأنها من الإرهاصات السابقة للبعثة الظاهرة.
لم تكن خديجة رضي الله عنها تسمع من النبي ﷺ أمرًا عابرًا؛ فقد أخبرها أن ما بدأ بالرؤيا الصادقة صار يتجاوز المنام، وأنه أصبح يرى ضوءًا ويسمع صوتًا في يقظته. ومع محبتها له وثقتها الكاملة بصدقه، أرادت أن تفهم طبيعة ما يحدث.
فاتجهت إلى رجل من أهل المعرفة بالكتب السابقة، ورقة بن نوفل. لم تذهب تبحث عن طبيب ولا عن كاهن، بل إلى رجل قرأ من أخبار النبوات وعرف شيئًا من الوحي الذي نزل على من قبلهم.
قصّت عليه ما ذكره لها محمد ﷺ من الضوء والصوت، فاستمع ورقة، ثم خرجت منه عبارة تحمل دهشة العالم الذي يرى مقدمات أمر عظيم: «إن يك صادقًا فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى».
لكنه لم يقل يومها: لقد بُعث. بل قال: «فإن بُعث وأنا حي...»؛ وكأن ورقة أدرك أن شيئًا يقترب، لكنه لم ير بعد العلامة الفاصلة التي تجعله يجزم بوقوع النبوة.
ثم مضت الأيام، حتى جاء جبريل عليه السلام في حراء. وعندما عاد النبي ﷺ إلى ورقة بعد ذلك لم يعد الرجل يتكلم بالاحتمال، بل قالها جازمًا: «هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى».
وهكذا كانت زيارة خديجة الأولى إلى ورقة محطةً بين الإرهاص والبعثة؛ عالمٌ من أهل الكتاب يلمح العلامات من بعيد، وينتظر اللحظة التي تتحول فيها المقدمات إلى رسالة.