صحب أبو بكر رضي الله عنه النبي ﷺ إلى ورقة بن نوفل، فطمأنه ورقة وأوصاه إذا سمع النداء ألا يهرب، بل يثبت ويسمع ما يقال له.
وكانت تلك الإرهاصات المتدرجة تهيئةً لقلبه ﷺ حتى يقوى على لقاء جبريل وتلقي **القول الثقيل**.
كان أبو بكر رضي الله عنه قد سمع من خديجة أمرًا لم يكن من أخبار الناس المعتادة. محمد ﷺ يسمع في خلوته من يناديه باسمه: «يا محمد، يا محمد»، فيفزع من الصوت وينطلق هاربًا، وخديجة قد اطمأن قلبها إلى أن وراء ذلك أمرًا عظيمًا يتهيأ له.
قالت لأبي بكر: «يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة».
فلما جاء النبي ﷺ لم يطل أبو بكر الحديث، وإنما أخذ بيده وقال: «انطلق بنا إلى ورقة». ومضى الصديقان إلى الشيخ الذي خبر الكتب وأخبار النبوات؛ فقد كان ورقة بن نوفل ممن تنصّر في الجاهلية، وعرف من أخبار الأنبياء ما لم يعرفه عامة أهل مكة.
جلس النبي ﷺ إليه، وسأله ورقة عما يحدث له حين يخلو، فأخبره أنه يسمع نداءً من خلفه: «يا محمد، يا محمد»، وأن الرهبة تأخذه حتى ينطلق هاربًا في الأرض.
وهنا لم يزد ورقة خوفه خوفًا، بل قال له كلمة ستغير طريقة استقباله لما يأتي بعد ذلك:
«لا تفعل؛ إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني».
كانت وصية قصيرة، لكنها بالغة الدلالة: لا تهرب هذه المرة. قف. اسمع. واجه الأمر حتى تعرف ما وراءه.
خرج النبي ﷺ من عند ورقة وقد أضيف إلى طمأنينة خديجة تثبيت آخر. خديجة طمأنته من جهة ما تعرفه من أخلاقه: إن الله لا يخذل رجلًا يؤدي الأمانة، ويصل الرحم، ويصدق الحديث. أما ورقة فطمأنه من جهة أخرى؛ من جهة رجل عرف أخبار النبوات، فلم ير فيما يسمعه ما يدعوه إلى الفرار، بل أمره أن يثبت وينتظر ويسمع.
وهكذا كان قلب محمد ﷺ يُهيأ شيئًا فشيئًا.
بدأ الأمر برؤيا صادقة تأتي هادئة واضحة كفلق الصبح، ثم حُبب إليه الخلاء فابتعد عن ضجيج مكة، ثم بدأ الصوت والضوء، ثم صار النداء أكثر وضوحًا حتى سمع اسمه: «يا محمد». وكلما اقترب الأمر ازدادت علاماته قوة، وكلما اشتدت رهبة المجهول وجد إلى جواره ما يثبته: مرة خديجة، وهذه المرة ورقة.
ولم يكن يعلم أن هذه المقدمات كلها تقوده إلى لحظة أعظم.
فالذي كان يسمع صوتًا ولا يرى صاحبه، سيأتي عليه يوم قريب يرى فيه جبريل عليه السلام، والذي كان يهرب عند النداء سيأتيه الملك في غار حراء فلا يكون الأمر مجرد هاتف بعيد، بل لقاءً مباشرًا، والذي كان يُهيأ شيئًا فشيئًا لسماع كلمات متفرقة، سيبدأ قريبًا حمل كلام الله الذي وصفه سبحانه بقوله:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾.
وكأن تلك الأشهر السابقة لحراء كانت تهيئة متدرجة للقلب: رؤيا، فخلوة، فصوت، فنداء، فطمأنة، فتثبيت؛ حتى إذا جاءت اللحظة الكبرى لم تأت النبوة إلى قلب لم يعرف من مقدماتها شيئًا.
وكانت كلمة ورقة في هذه الطريق علامة فارقة:
لا تهرب… اثبت واسمع.
ومن هنا يمكن أن نختم الحدث بجملة مشوقة تصلح للموسوعة:
عاد محمد ﷺ من عند ورقة وقد تعلّم أن يستقبل النداء بدل أن يفر منه؛ ولم يكن يدري أن الهاتف الذي أُمر أن يثبت لسماعه ليس إلا خطوة أخرى في طريق التهيئة، وأن وراء تلك الأصوات لقاءً قريبًا في غار حراء، سيبدأ معه حمل «القول الثقيل».