خافت خديجة رضي الله عنها على زوجها مما يراه ويسمع، فاختارت أن تشاركه اعتكاف حراء، تاركة بيتها وبناتها وراحتها لتبقى قريبة منه وتطمئن عليه.
ومكثا معًا في الغار شهرًا حتى وافى اعتكافهما رمضان، وهما لا يعلمان أن لحظة النبوة صارت على الأبواب.
كان خوف خديجة رضي الله عنها هذه المرة مختلفًا؛ فالأمر لم يعد رؤيا عابرة، ولا خاطرًا يمر ثم ينقضي. لقد رأت زوجها يعود إليها مرة بعد مرة يحدثها عما يسمع ويرى، وعن أصوات تأتيه في خلوته، ثم عن هاتف يناديه باسمه. كانت تطمئنه كل مرة، لكن قلب الزوجة ظل متعلقًا به، يرقب ما يجري له ولا يريد أن يتركه يواجهه وحده.
وحين عزم محمد ﷺ على مجاورة حراء، لم تكتف خديجة بأن تهيئ له الزاد وتنتظر عودته في مكة؛ بل اختارت أن تشاركه هذه المرة. نذرا أن يعتكفا شهرًا في حراء، فخرجت معه.
تركت خديجة بيتها وبناتها، وتركت فراش مكة وراحتها وما كانت تعيش فيه من سعة، وصعدت مع زوجها ذلك الجبل الوعر. لم يكن في حراء بيت يؤويهما، ولا فراش ممهّد، ولا شيء من أسباب الراحة؛ إنما جبل صامت، وغار حجري ضيق، وليل مكة الممتد من حولهما.
كانت تستطيع أن تبقى في بيتها وتنتظر خبره، لكنها آثرت القرب منه. إن كان سيخلو، فستكون قريبة؛ وإن عاد إليه ذلك الذي يهابه، فلن يكون وحده.
ومضت الأيام وهما في تلك المجاورة، حتى وافى اعتكافهما رمضان. وكان شهرًا عجيبًا في حياة الزوجين؛ محمد ﷺ يزداد انقطاعًا عما حوله، وخديجة تراقب في صمت ما يحدث للرجل الذي عرفته سنين طويلة، وقد شعرت أن وراء هذه المقدمات أمرًا أكبر مما تستطيع أن تدركه.
ولم تكن تدري وهي تقيم معه بين صخور حراء أن وقوفها إلى جانبه في تلك الأيام كان آخر فصول حياة زوجها قبل النبوة؛ وأن الرجل الذي صعدت معه لتطمئن عليه كان يقترب، ليلة بعد ليلة، من اللحظة التي ستغير حياته وحياتها وتاريخ العالم كله.