تركت خديجة رضي الله عنها بيتها وبناتها، وفيهن زينب ابنة نحو عشر سنين، ومعهم زيد وعلي، لترافق النبي ﷺ شهرًا في حراء وتبقى قريبة منه.
وكان غيابها مدرسة مبكرة لأهل البيت في الصبر وتحمل المسؤولية، بينما اختارت هي خشونة الجبل على راحة المنزل وفاءً لزوجها وحرصًا عليه.
لم تكن صحبة خديجة رضي الله عنها للنبي ﷺ إلى حراء رحلة يسيرة؛ فقد كان وراءها بيت وبنات صغار، أكبرهن زينب في نحو العاشرة. لكنها آثرت أن تكون إلى جوار زوجها في تلك الأيام الغامضة، فتركت دفء البيت وراحة مكة، وصعدت معه الجبل لتقيم قريبًا منه شهرًا كاملًا.
وفي مكة كان بيت النبوة يتعلم مبكرًا معنى المسؤولية؛ **زينب الكبرى بين أخواتها الصغيرات، وعلي بن أبي طالب الفتى الذي ضمه النبي ﷺ إليه**. لم يكن غياب الأم شهرًا أمرًا هينًا، لكنه كان مدرسة صامتة لأهل ذلك البيت: الكبار يحملون عن الصغار، والأخوات يتعاونَّ، وكل واحد يجد لنفسه نصيبًا من المسؤولية.
أما خديجة، فقد تركت وراءها بناتها وبيتها وما ألفته من راحة، واختارت صخور حراء وخشونة الجبل؛ لا طلبًا لراحة، وإنما لتكون إلى جوار زوجها في مرحلة لم تكن تعرف إلى أين ستنتهي. **وكأن بيت النبوة كله كان يُهيَّأ للرسالة قبل أن تنزل الرسالة: محمد ﷺ في حراء، وخديجة إلى جواره، وأهل البيت في مكة يتعلمون مبكرًا الصبر وتحمل المسؤولية.**