رجع النبي ﷺ من حراء يرجف فؤاده، فلم يقصد إلا خديجة، وقال: **«زملوني زملوني»**، فغطته حتى هدأ ثم أخبرها بما لقي.
فثبتته بذكر محاسنه وقالت: **«كلا والله ما يخزيك الله أبدًا»**؛ تستدل بخيره للناس على حفظ الله له ورعايته.
انتهى اللقاء في حراء، ولكن أثره لم ينتهِ.
خرج النبي ﷺ من الغار وقد حمل في صدره أول كلمات القرآن، وحمل في جسده وقلبه هول ما جرى. ثلاث غطات بلغت منه الجهد، وملك يفاجئه في خلوته، وكلمات لم يسمع مثلها من قبل. وتصف عائشة رضي الله عنها حاله بكلمات قليلة لكنها ترسم المشهد كله: **«فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده»**، وفي الرواية الأخرى: **«ترجف بوادره»**؛ أي ترتعد لحمة صدره وما حول منكبيه من شدة ما أصابه من الروع.
وكان ذلك ـ على التحقيق الزمني ـ في **أغسطس، في قلب صيف مكة**، حيث يبلغ الحر أشده، ولذلك فإن طلبه ﷺ أن يُزمل لم يكن طلبًا للدفء من برد الجو، وإنما كان أثرًا من آثار **الرهبة الشديدة واستجابة الجسد للخوف الحاد**؛ إذ قد يصيب الإنسان عند الصدمة رجفان وقشعريرة وانقباض، ولو كان الجو حارًا، فيطلب غريزيًا أن يضم جسده أو يلتف بثوب حتى تهدأ الرجفة ويسكن الاضطراب.
وفي تلك اللحظات لم تذكر الروايات أنه قصد أحدًا، ولا أنه وقف يحدث أحدًا بما جرى؛ وإنما كان الطريق من حراء ينتهي عند شخص واحد: **خديجة**.
هبط ﷺ من الجبل، ومضى إلى بيته، حتى دخل عليها وهو لا يزال تحت أثر ذلك الهول. ولم يبدأ بشرح طويل، ولم يستطع أن يقص عليها ما رأى، وإنما خرجت منه كلمات المستروع الذي يريد أولًا أن يستعيد سكون جسده:
**«زَمِّلوني، زَمِّلوني»**.
أي: **غطوني ولفوني بالثياب**.
وكان المشهد أبلغ لأن مكة يومئذ في شدة القيظ؛ فالذي طلب التغطية لم يكن يشعر ببرد الجو، وإنما **برجفة الخوف**. وهنا يظهر صدق الوصف النبوي ودقته الإنسانية: الجسد أمام الصدمة لا يسأل عن الفصل ولا عن حرارة المكان، وإنما يتصرف بما يخفف عنه شدة الاضطراب.
ولم تستوقفه خديجة بالأسئلة: ماذا حدث؟ ومن رأيت؟ ولماذا أنت هكذا؟ بل بادرت إلى ما طلب. **فزمَّلوه**، وأحاطته بالثياب، وتركته حتى هدأ جسده وسكن روعه. وفي دقة الرواية جمال عجيب: **«فزملوه حتى ذهب عنه الروع»**. أعطته أولًا الأمان والسكينة، ثم جاء الكلام.
فلما ذهب عنه الروع، التفت إلى خديجة وقال في بعض ألفاظ الرواية:
**«أي خديجة، ما لي؟»**
ثم أخبرها الخبر كله، وانتهى إلى العبارة التي تكشف مقدار ما كان يجده في نفسه:
**«لقد خشيت على نفسي»**.
وهنا ظهر معدن خديجة.
لم تقل له فقط: لا تخف. ولم تحاول تهوين ما وقع بكلمات عامة، وإنما أعادت بناء الطمأنينة في داخله من **سيرته هو**؛ ذكّرته بمن يكون، وبما تعرفه عنه طوال سنواتها معه:
**«كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»**.
كأنها تقول له: انظر إلى حياتك قبل أن تنظر إلى خوفك؛ أتظن أن ربًا وفقك لكل هذه الخصال ثم يخزيك؟
كانت تعرف زوجها، فاستدلت **بماضيه على مستقبله**، وبأخلاقه على عناية الله به. رجل يصل رحمه، ويحمل عن الضعيف عجزه، ويعين المحتاج، ويكرم الضيف، ويقف مع الناس في شدائد الحق؛ **لا يضيعه الله**.
وهكذا كانت خديجة رضي الله عنها في أول لحظات النبوة: لم تكن مجرد زوجة استقبلت زوجًا خائفًا، وإنما كانت **أول سكن عاد إليه بعد هول الوحي، وأول قلب احتوى خوفه، وأول لسان ثبته**.
وكأن موقفها يجسد معنى الحكمة التي عرفها الناس: **صنائع المعروف تقي مصارع السوء**؛ فالخير الذي عاش محمد ﷺ يصنعه للناس أصبح في تلك اللحظة نفسها حجة خديجة على أن الله لن يخزيه.
دخل ﷺ عليها **يرجف فؤاده**، في حر مكة القائظ، فزمّلته حتى **ذهب عنه الروع**، ثم حدثها بما رأى، فردت عليه بكلمة بقيت من أجمل كلمات الوفاء واليقين في السيرة:
**«كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا»**.