اصطحبت خديجة رضي الله عنها النبي ﷺ إلى ورقة، فسمع منه خبر الوحي مباشرة وقال: **«هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى»**، ثم أخبره بما سيلاقيه من قومه.
فتعجب النبي ﷺ من إخراجه، فقال ورقة: **«لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي»**، ووعده بالنصرة إن أدرك ذلك اليوم.
كانت خديجة رضي الله عنها قد سبقت إلى ورقة وحدها، تحمل إليه خبرًا هائلًا لا تزال أصداؤه في بيتها: مَلَك جاء محمدًا ﷺ في حراء، وضمه، وكلمه، وألقى إليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. يومها لم يطل ورقة الحديث، وإنما أعطاها خلاصة ما عرف: «لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت».
وعادت خديجة بتلك الكلمات إلى زوجها، فكانت بشارة وطمأنينة. ثم مضت الأيام القليلة التالية، وأتم النبي ﷺ جواره في حراء، ونزل إلى مكة، ولقي ورقة عند الطواف، فسمع ورقة منه بعض خبره مباشرة.
لكن خديجة أرادت مجلسًا آخر؛ مجلسًا لا تكون فيه ناقلة بين الرجلين، ولا يكون لقاءً عابرًا في أثناء الطواف. أرادت أن تجلس مع حبيبها أمام الرجل الذي يعرف أخبار الأنبياء، وأن يسمعا منه معًا حقيقة الأمر وما وراءه.
فانطلقت به إلى ورقة.
وهنا تحفظ عائشة رضي الله عنها المشهد بكلمات قليلة كأنها تضعنا عند باب المجلس:
«فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل».
دخلت به عليه، ثم قالت:
«يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك».
فأقبل ورقة على النبي ﷺ وقال:
«يا ابن أخي، ماذا ترى؟»
فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى.
أنصت الشيخ الكبير، ثم جاء الجواب الذي كانت خديجة قد سمعت أوله من قبل، ولكن محمدًا ﷺ يسمعه الآن في مجلس مقصود:
«هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى».
ثم تغير مسار الحديث. لم يعد ورقة يتحدث عن حقيقة القادم من السماء فحسب، بل أخذ يكشف شيئًا من ثمن الرسالة على الأرض.
قال متحسرًا:
«يا ليتني فيها جذعًا! ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك».
توقف النبي ﷺ عند كلمة لم يكن ينتظرها:
«أَوَمُخْرِجِيَّ هم؟»
كيف يخرجونه؟ وهو الذي عاش بينهم أربعين عامًا، يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، ولم يعرفوا عنه إلا خيرًا.
فجاء جواب ورقة بقاعدة عرفها من تاريخ النبوات:
«نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي».
ثم ختم الشيخ كلامه بوعد رجل تمنى لو أن الشباب يعود إليه:
«وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
وكانت خديجة تستمع.
لقد جاءت في المرة الأولى وحدها تبحث عن جواب لسؤال واحد: ما الذي جاء محمدًا؟ فعادت يومها بالجواب: الناموس... وإنه لنبي هذه الأمة.
أما اليوم فقد جلست إلى جواره تسمع جواب سؤال أكبر: وماذا ينتظر هذا النبي؟
فكان الجواب: دعوة ستواجه العداوة، وقوم سيخرجونه، وطريق سيحتاج إلى صبر وثبات ونصرة.
وهكذا خرج الزوجان من عند ورقة وقد اتضحت أمامهما الصورة أكثر: ما بدأ في حراء بكلمة ﴿اقْرَأْ﴾ لم يكن لحظة عابرة في حياة محمد ﷺ؛ لقد بدأت بها حياة النبوة، وبدأ معها طريق طويل سيغير وجه التاريخ.