اختبرت خديجة رضي الله عنها حقيقة الزائر، فلما حضر جبريل جعلت النبي ﷺ ينتقل في جلوسه معها ثم كشفت خمارها، فغاب جبريل عن رؤيته.
فقالت بيقين وحنكة: **«اثبت وأبشر، فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان»**، فكانت مرة أخرى سكنًا وتثبيتًا للنبي ﷺ.
كانت خديجة رضي الله عنها قد عاشت منذ اللحظة الأولى للوحي بقلب الزوجة المؤمنة وعقل المرأة الحصيفة. سمعت من النبي ﷺ ما جرى في حراء، وذهبت إلى ورقة بن نوفل، وسمعت منه حديث **الناموس الذي نزل على موسى**، فعرفت أن لهذا العالم الغيبي علامات، وأن الملائكة أهل طهر وحياء، لا يشبهون الشياطين في أحوالهم.
ومع تكرر مجيء جبريل للنبي ﷺ أرادت خديجة أن تنتقل من الطمأنة بالكلمات إلى **اختبار عملي ذكي**. قالت لزوجها ﷺ في رفق: أخبرني إذا جاءك صاحبك. وما لبث أن قال لها: **«يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني»**.
وهنا بدأ مشهد من أرق مشاهد البيت النبوي.
قالت له: اجلس على فخذي. فجلس ﷺ قريبًا منها، وسألته: أترى جبريل؟ قال: نعم. فنقلته إلى فخذها الأخرى، ثم سألته، فما زال يراه. ثم ضمته إليها وأجلسته في حجرها، في صورة تكشف مقدار الأنس والثقة والمودة بين الزوجين في تلك اللحظات العصيبة؛ نبي يحمل رهبة السماء، وزوجة تحتضن خوفه وتبحث معه عن اليقين.
ثم صنعت خديجة ما يكشف عن فطنتها؛ ألقت خمارها وكشفت عن رأسها وهي معه، ثم قالت: هل تراه الآن؟
قال ﷺ: **لا**.
عندها لم تتردد. لقد وصلت إلى ما كانت تبحث عنه، فقالت بقلب ممتلئ باليقين:
**«يا ابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لَمَلَك، وما هذا بشيطان»**.
يا لعظمة تلك اللحظة! امرأة في بيت متواضع بمكة تتعامل بعقلها وإيمانها مع خبر من عالم الملائكة، وتستدل بالحياء والطهر على حقيقة الزائر، ثم لا تحتفظ بنتيجتها لنفسها، بل تجعلها سكينة لقلب زوجها: **اثبت وأبشر**.
لم تكن خديجة رضي الله عنها مجرد زوجة تصدق زوجها، بل كانت شريكة في أشد مراحل التكوين النفسي للنبوة؛ كلما اضطرب قلبه وجد عندها الطمأنينة، وكلما ثقل عليه الأمر قابلته بعقل هادئ وقلب محب. وقد يكون ما عرفته من ورقة بن نوفل ومن حديثه عن الملائكة والنبوات مما أعانها على هذا الفهم، وإن لم تصرح الرواية بأن ورقة علّمها هذا الاختبار بعينه.
وهكذا خرجت خديجة من تلك اللحظة بيقين جديد: **الذي يأتي محمدًا ﷺ ليس شيطانًا يتلاعب به، بل مَلَك من عند الله**. وخرج النبي ﷺ من حضن بيته مرة أخرى أكثر طمأنينة، وكانت خديجة كما كانت منذ أول ليلة للوحي: أول قلب يصدقه، وأقرب قلب يثبته.