بعد أشهرٍ من الرؤى الصادقة والتهيئة المتدرجة، رأى النبي ﷺ جبريل في المنام يأمره بـ«اقرأ» ويغُطّه، توطئةً لما سيلقاه يقظةً في حراء في اليوم التالي.
### رؤيا الليلة الأخيرة قبل الوحي
لم تكن ليلة الوحي بدايةً مفاجئة بلا مقدمات، بل جاءت بعد **تهيئة متدرجة امتدت شهورًا**؛ كأن كل مرحلة كانت تقرّبه ﷺ خطوة من اللحظة الكبرى.
منذ **ربيع الأول** بدأت الرؤى الصادقة تتتابع عليه في نومه؛ يرى الرؤيا، ثم لا يلبث أن يراها تتحقق أمامه في يقظته واضحةً **«مثل فلق الصبح»**. وتوالت الرؤى حتى ألف قلبه هذا اللون من الخبر الآتي من عالم الغيب.
ثم انتقل به التهيؤ من المنام إلى اليقظة؛ **فحُبِّب إليه الخلاء**، وأخذ يبتعد عن صخب مكة إلى شعابها وحرائها، يمكث الليالي متعبدًا متفكرًا. ثم أخذت الغرابة تقترب أكثر؛ **أصوات يسمعها ولا يرى أصحابها، ونداء يهتف باسمه**، حتى حمل ما يجد إلى ورقة بن نوفل، فطمأنه وأمره بالثبات، وأخبره أن ما يوشك أن يأتيه أمر عظيم.
ثم لم تعد الجمادات من حوله صامتة؛ فقد قال ﷺ: **«إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث»**. فكأن الطريق إلى النبوة صار يحييه قبل أن يبلغ منتهاه، وتتابعت الإشارات من رؤيا يراها، إلى صوت يسمعه، إلى حجر يسلم عليه.
حتى جاءت **الليلة الأخيرة من ليالي التهيئة**.
نام ﷺ، فإذا المشهد هذه المرة أشد وضوحًا وأقرب إلى ما ينتظره: **جبريل يأتيه في المنام، ومعه نمط من ديباج فيه كتاب، ويقول له: «اقرأ»**. ويجيبه ﷺ بأنه لا يقرأ، فيأخذه ويغته، ثم يعيد عليه الأمر، حتى يقرأ عليه صدر سورة العلق. ثم ينصرف عنه، ويهبّ ﷺ من نومه وقد تركت الرؤيا أثرًا عميقًا في قلبه.
ولم تكن هذه ـ على ما يظهر من مجموع الروايات ـ رؤيا عابرة من تلك الرؤى التي سبقتها، وإنما كانت **آخر مشاهد التهيئة وأقربها إلى الحقيقة القادمة**؛ فقد روى موسى بن عقبة أن رؤيا المنام سبقت استعلان جبريل، وفسر ابن كثير ذلك بقوله: **«فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة»**.
وهكذا، إذا صح ترجيحنا الزمني، **نام في تلك الليلة فرأى صورةً مما سيستقبله في يقظته**؛ رأى جبريل، وسمع الأمر: **«اقرأ»**، وذاق الغطَّ في المنام...
**ثم أقبل فلق الصبح، ولم يبق بين الرؤيا وتحقيقها إلا ساعات.**
فغدًا، في حراء، لن يكون جبريل رؤيا، ولن تكون الغطّة منامًا، ولن تكون **﴿اقْرَأْ﴾** بشارةً بما سيأتي؛ بل سيأتيه الملك يقظةً، ويبدأ الوحي الذي سيغيّر وجه التاريخ.
> **كانت الرؤيا آخر التهيئة؛ رأى في ليلته ما سيعيشه في غده.**