بعد البعثة

أبو بكر يزف خمسة للنبي صلى الله عليه وسلم

الفترة الرئيسية: بعد البعثة الفترة الفرعية: الدعوة السرية الهجري: ذو القعدة 13 ق.هـ الميلادي: سبتمبر 610 م
أبو بكر يزف خمسة للنبي صلى الله عليه وسلم

مختصر الحدث

وفّق الله أبا بكر رضي الله عنه منذ أول دعوته إلى خمسة من خيرة قريش، سبق أن تهيأت قلوب بعضهم برؤيا أو بشارة، فجمع بين بطون متفرقة وأعمار مختلفة وغالبهم من أهل التجارة، فكان أول حصاد دعوته رجالًا صاروا من أعمدة الإسلام.

تفاصيل الحدث

### أبو بكر يزف الخمسة إلى رسول الله ﷺ

لم يكن أبو بكر رضي الله عنه حين أسلم رجلًا يبحث عن النجاة لنفسه فحسب، بل بدا منذ اللحظة الأولى كأنه **فهم طبيعة الرسالة**: هذا الدين لا بد أن ينتقل من قلب إلى قلب، وأن يبدأ بأناس يعرفهم ويعرف صدقهم، ويثق بعقولهم وأخلاقهم. فما إن استقر الإيمان في قلبه حتى تحرك إلى من حوله، واختار من خاصته رجالًا لم تجمعهم قبيلة واحدة، ولا سن واحدة، ولا منزلة اجتماعية واحدة؛ وإنما جمعهم أنهم من أهل الثقة والمروءة، ممن يغشونه ويجلسون إليه ويعرفونه ويعرفهم.

واللافت أن أبا بكر لم يبدأ من فراغ؛ فكأن الله سبحانه كان **يهيئ له الرجال قبل أن يدعوهم**، ثم ساقهم إليه واحدًا بعد آخر.

كان **عثمان بن عفان** رضي الله عنه رجلًا رقيق الطبع، حييًّا كريم النفس، بعيدًا عن صخب الجاهلية وخشونتها، وفي طبعه استعداد للخير وقبول للحق. رجل من **بني أمية**، أحد أقوى بطون قريش وأوسعها جاهًا ومالًا، ومن أهل التجارة واليسار. وحين طرق أبو بكر باب قلبه لم يكن يخاطب رجلًا مغمورًا، وإنما رجلًا له مكانه وسمعته وصلاته، فإذا بالإسلام يدخل من أول أيامه بيتًا أمويًا كبيرًا.

وكان **عبد الرحمن بن عوف** رضي الله عنه قد جاء من اليمن وفي نفسه أثر حديث عجيب سمعه من شيخ حميري أشار عليه بخبر نبي قد حان ظهوره، فكأن الرجل عاد إلى مكة وهو ينتظر شيئًا لا يعرف صورته كاملة. فلما جاءه أبو بكر بالدعوة وجد الكلام طريقًا قد مُهّد له من قبل، واجتمعت عنده بشارة بعيدة جاءته من اليمن مع دعوة قريبة يسمعها الآن من رجل يعرف صدقه. وعبد الرحمن من **بني زهرة**، ومن أهل التجارة والعقل والتدبير، وسيصبح بعد ذلك واحدًا من كبار رجال المال في الإسلام.

أما **طلحة بن عبيد الله** رضي الله عنه فقد عاد من الشام يحمل هو الآخر خبرًا سابقًا. ففي بصرى سمع من أهل العلم هناك سؤالًا وبشرى عن نبي يظهر في مكة، فعاد وفي ذاكرته ذلك الخبر، ثم وجد أبا بكر يحدثه عن محمد ﷺ ودعوته. وكأن الرحلة التجارية التي خرج فيها يطلب مالًا قد أعادته إلى مكة يحمل شيئًا أثمن من المال: **سؤالًا ينتظر جوابه**. وطلحة تيمي، من بطن أبي بكر نفسه، ومن أهل التجارة، فكان إسلامه امتدادًا للدعوة في الدائرة الأقرب، ولكنه لم يكن إسلام قريب مجاملةً لقريبه، بل جاء وقد سبقته إلى قلبه بشارة من خارج مكة.

وكان **سعد بن أبي وقاص** رضي الله عنه قد رأى قبل إسلامه بثلاث ليال رؤيا بقي أثرها في نفسه: ظلمة شديدة، ثم قمر يضيء، وإذا برجال قد سبقوه إليه، ومن بينهم أبو بكر نفسه. ثم جاءت دعوة أبي بكر بعد تلك الرؤيا بأيام قليلة، فكأن ما رآه سعد ليلًا وقف أمامه نهارًا. ولم يكن سعد من بني تيم ولا من بني أمية، وإنما هو من **بني زهرة**، أخوال النبي ﷺ، وكان يومئذ من شباب قريش؛ فأصاب أبو بكر بدعوته جيلًا آخر غير جيل الرجال الناضجين، وأدخل إلى الصف الأول شابًا سيصبح من كبار فرسان الإسلام وقادته.

ويبقى **الزبير بن العوام** رضي الله عنه، ذلك الفتى الأسدي القرشي، قريب رسول الله ﷺ من جهة أمه صفية بنت عبد المطلب. ولا تحفظ لنا أخباره في هذه اللحظة تمهيدًا واضحًا كالرؤيا عند سعد، أو بشارة اليمن عند عبد الرحمن، أو خبر بصرى عند طلحة؛ لكن الله ساقه إلى هذه الدائرة الأولى، فالتقطه أبو بكر ببصيرته. وكان الزبير شابًا، شديد العارضة، قوي النفس، ليكون في أول الجماعة رجلًا من طراز آخر؛ فإذا كان عثمان يمثل الحياء والسكينة، وعبد الرحمن يمثل عقل التاجر، وطلحة الحركة والبذل، وسعد حماسة الشباب، فإن الزبير يأتي بروح الفارس وصلابة القلب.

وهنا تظهر براعة أبي بكر رضي الله عنه في أول تجربة دعوية له.

فهو لم يذهب إلى **بطن واحد من قريش** فيحبس الدعوة داخله، وإنما خرج بها منذ أيامها الأولى إلى عدة بطون: إلى **بني أمية** في عثمان، وإلى **بني أسد** في الزبير، وإلى **بني تيم** في طلحة، وإلى **بني زهرة** في سعد وعبد الرحمن. وهكذا أخذ الإسلام منذ بداياته الأولى ينتشر أفقيًا داخل النسيج القرشي، فلا يبدو دعوة أسرة واحدة ولا تحرك فخذ بعينه.

ولم يختر أبو بكر سنًّا واحدة كذلك؛ ففي الخمسة **الشاب اليافع والرجل الناضج**. كأنه أدرك بفطرته أن الرسالة تحتاج إلى حماسة الشباب كما تحتاج إلى اتزان أصحاب التجربة، وأن الدعوة التي تريد أن تعيش لا تبنى على جيل واحد.

ثم إن عددًا كبيرًا من هؤلاء كانوا من **أهل التجارة**، يعرفون الأسواق والناس والرحلات، ويملكون صلات تتجاوز الحي والقبيلة. وهي سمة مهمة؛ لأن التاجر في مكة لم يكن رجل مال فحسب، بل كان صاحب سفر واتصال ومعرفة بالناس، يسمع أخبار الشام واليمن ويلتقي بأهل الديانات والبلدان. ولعل هذا يفسر كيف كانت الأخبار التي سبقت الدعوة قد وصلت أصلًا إلى بعضهم: عبد الرحمن من اليمن، وطلحة من بصرى. فكانت طرق التجارة نفسها التي حملت السلع إلى مكة تحمل معها أصداء انتظار النبوة، ثم جاء أبو بكر ليضع أمام أصحابها الخبر الذي يفسر ما سمعوه.

وهكذا يبدو المشهد كأن خيوطًا متفرقة كانت تتهيأ ثم اجتمعت في يد أبي بكر: **بشارة في اليمن، وخبر في بصرى، ورؤيا في مكة، ونفوس سليمة مهيأة للخير، وشباب ساقهم الله إلى لحظة التحول**. ثم جاء الرجل الذي يعرف قريشًا ويعرف رجالها، فوضع كل واحد أمام الحقيقة التي كان ينتظرها من حيث لا يشعر.

وكان توفيق الله لأبي بكر عجيبًا؛ فلم تكن حصيلة أيام دعوته الأولى رجالًا عاديين سيغيبون بعد ذلك في زحام الأحداث، بل خمسة ستظل أسماؤهم في قلب تاريخ الإسلام: عثمان، والزبير، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن. ومن هؤلاء **اثنان سيصيران من الخلفاء أو أصحاب الشورى الكبرى، وكلهم سيدخلون في عداد العشرة المبشرين بالجنة**، وسيكون لكل واحد منهم بعد ذلك باب واسع في نصرة الإسلام بالمال أو القتال أو القيادة أو المشورة.

وما كان أبو بكر يعرف يوم دعاهم ماذا سيصنع كل واحد منهم بعد عشرين أو ثلاثين سنة، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: **يعرف الرجال**.

وهنا تتجلى إحدى أعظم خصائص أبي بكر في بداية الإسلام: لم تكن قوته في كثرة الكلام، وإنما في **معرفته بالناس وثقة الناس به**. عرف من يطرق بابه، ومن يحتمل السر، ومن يزن الكلام بعقله، ومن إذا اقتنع مضى ولم يتردد. لذلك جاءت أولى ثمار دعوته نوعية على نحو لافت؛ خمسة رجال من بيئات متفرقة، وأعمار متفاوتة، وبطون مختلفة، وغالبهم من أهل التجارة والمكانة، جمعتهم ثقة سابقة بأبي بكر قبل أن تجمعهم بعد ذلك أخوة الإسلام.

وكأن الله سبحانه حين اختار أبا بكر ليكون أول أعوان نبيه ﷺ من الرجال، لم يوفقه إلى الإيمان وحده، بل وفقه كذلك إلى **مفاتيح الرجال**؛ فتهيأت له نفوس كانت على موعد مع النور، فطرق أبوابها في اللحظة المناسبة، ثم جاء يحمل إلى رسول الله ﷺ في أول حصاد دعوته خمسةً سيصبح كل واحد منهم بعد سنوات أمةً من العمل والجهاد والبذل.

لقد أسلم أبو بكر وحده، ولكنه لم يلبث طويلًا حتى صار وراءه رجال.

وهنا بدأت عبقرية الصديق الدعوية تظهر منذ أول الطريق.
تفاعل مع الحدث

هل استوعبت هذا الحدث؟