اقترب خبر السماء؛ فبعد الرؤى والأصوات والسلام، أبصر النبي ﷺ جبريل لأول مرة بجناحيه يملآن المشرق والمغرب، فهابه، ثم كلّمه جبريل حتى أنس به؛ فإذا بصاحب الوحي ورفيق رحلة النبوة قد حضر، ولم يبقَ على نزول **{اقرأ}** إلا قليل.
### أولُ لقاءٍ بجبريل... واقترابُ خبر السماء
كان خبر السماء يقترب منه ﷺ شيئًا فشيئًا؛ بدأت **الرؤى الصادقة** تطرق منامه فتجيء كفلق الصبح، ثم أخذ يسمع من حوله أصواتًا وهواتف لا يرى أصحابها، حتى صار يسمع السلام يُلقى عليه في شعاب مكة. كان الغيب يقترب، ولكن الحجاب لم يُرفع بعد، والعين لم ترَ صاحب ذلك الخبر.
ثم خرج ﷺ في مرة أخرى، فإذا المشهد الذي لم يره من قبل: **جبريل عليه السلام منهبطًا في هيئة عظيمة، جناح له بالمشرق وجناح له بالمغرب**. هاله المنظر وفزع منه؛ فهذا الذي كان خبره يأتيه صوتًا صار اليوم **عيانًا أمام بصره**. فأسرع ﷺ يريد أهله، وكأن هيبة المشهد قد ملأت قلبه.
ولكن جبريل لم يتركه للحيرة والخوف؛ فإذا هو قد سبقه، **بينه وبين الباب**. وهناك تغيّر المشهد من الهيبة إلى الأنس؛ اقترب منه وكلمه، وأطال معه الحديث، حتى قال ﷺ في وصف تلك اللحظات: **«فكلمني حتى أنست به»**. فما كان المقصود أن يفزعه، وإنما أن يهيئ قلبه للقادم، وأن تتحول رهبة المجهول إلى معرفة وأُنس.
وهكذا بدأت الصورة تتضح: **هذا هو جبريل**؛ الذي سيغدو رفيق رحلة الوحي، والواسطة بين السماء ورسول الله ﷺ. بالأمس كان يسمع الخبر ولا يرى صاحبه، ثم سمع السلام، وها هو اليوم يرى حامل الرسالة ويحادثه حتى يأنس به.
وقبل أن يفارقه جبريل **واعده موعدًا**.
ولم يكن ذلك الموعد لقاءً عابرًا؛ فقد اقتربت اللحظة التي طال التمهيد لها، واقترب خبر السماء حتى لم يبق بين محمد ﷺ وبين أول كلمات القرآن إلا خطوات قليلة... **{اقرأ باسم ربك الذي خلق}**.