سعى النبي ﷺ لتأكيد مقصده السلمي من العمرة بإرسال خِراش بن أُميَّة رسولاً إلى مكة لإبلاغ أشرافها بنيته. قوبلت هذه المبادرة الدبلوماسية باعتداء قريش عبر عقر جمل النبي ﷺ ومحاولة قتل رسوله، لولا تدخل الأحابيش(٣٥) لحمايته ومنع قتله. يعكس هذا المشهد إصرار النبي على الحوار والشهادة العربية العامة رغم تعنت المشركين وخرقهم لأعراف الرسل.
التحقيق الزمني الحسابي (بناءً على القرائن):
توقيت : وقعت هذه الحادثة يوم السبت 13 ذي القعدة سنة 6 هـ.
القرينة الحسابية: تأتي هذه الخطوة مباشرة بعد فشل وساطة بُديل بن ورقاء الخزاعي (التي كانت يوم الجمعة). أراد النبي ﷺ إرسال رسول من "خزاعة" (حلفاء المسلمين) ليكون أكثر أمناً، مما يضعها في اليوم التالي لاستقرار المعسكر وبدء الردود القرشية العنيفة.
الدليل : تشير إلى أن قريشاً كانت في حالة غليان عسكري، وأن عقر الجمل (الذي هو مِلْك للنبي ﷺ) كان رسالة تصعيد واضحة، مما مهد لاحقاً لضرورة إرسال رسول من "بني عبد مناف" (عثمان بن عفان) لامتلاك الحماية القبلية، وهو ما يتسق مع تسلسل الأحداث اليومي في الحديبية.
إليك القرائن الإضافية التي يعتمد عليها المحققون لتحديد زمن سفارة خِراش بن أُميَّة رضي الله عنه بدقة:
* قرينة التدرج : لم يُرسل النبي ﷺ خِراشاً إلا بعد عودة بُديل بن ورقاء الذي جاء متطوعاً. وبما أن بُديل وصل يوم الجمعة (12 ذي القعدة)، فإن إرسال مبعوث رسمي (خِراش) يمثل النبي ﷺ شخصياً كان الخطوة التالية المنطقية في صباح السبت (13 ذي القعدة).
* قرينة "الأحابيش" والروح القبلية: تدخُّل الأحابيش (حلفاء قريش) لإنقاذ خِراش من القتل يثبت أن الحادثة وقعت في الأيام الأولى للمواجهة؛ حيث كانت هيبة "الأشهر الحرم" (ذي القعدة) والمواثيق القبلية لا تزال قوية وتؤثر في قرارات الحلفاء، قبل أن يتأزم الموقف تماماً وتحدث بيعة الرضوان.
* قرينة "الجمل الثعلب": إرسال النبي ﷺ لجمله الخاص كراحلة لرسوله يُعد "إشارة حسن نية" قوية تُقدم عادة في بداية المفاوضات. عقر قريش للجمل كان نقطة التحول التي أثبتت للنبي ﷺ أن قريشاً تجاوزت الأعراف، مما استدعى البحث عن رسول ذي منعة قبلية أكبر (عثمان بن عفان) في اليوم التالي.
* الحساب الزمني للمسافات: تبعد منطقة الحديبية عن مكة مسافة قصيرة (حوالي 15-20 كم). سفارة خِراش (ذهاباً، ومحاولة قتله، ثم عودته) استغرقت نهاراً كاملاً، مما يضعها زمنياً في اليوم الثالث من استقرار المعسكر بالحديبية.
------------------------------
الخلاصة:
هذه القرائن تؤكد أن السفارة وقعت يوم السبت 13 ذي القعدة سنة 6 هـ، وهي الحلقة الوصل بين الوساطات القبلية (خزاعة) وبين السفارات السياسية الكبرى (عثمان بن عفان).
هل تود معرفة كيف مهدت هذه الحادثة لاختيار عمر بن الخطاب أولاً ثم الاعتذار عنه وترشيح عثمان؟
(٣٥) من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن - ابن هشام (٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦)، وأحمد في المسند (٤/ ٣٢٤).